فهرس الكتاب
4 -ومن حجج المانعين من المشاركة في المجالس النيابية والولايات العامة: أن في ذلك نوع من المشاركة في الأنظمة الكافرة، وإذا اعتبرنا المنافع التي قد تترتب على هذه المشاركة فهي أقل بكثير من المضار المترتبة عليها؛ إذ هذه المشاركات مؤدية إلى تمييع قضية الحكم بما أنزل الله؛ لأن المسلم يعلن أن الحكم بغير ما أنزل الله حرام وباطل ثم يشارك فيه، وهو مضلة لأفهام العامة.
كما أن المشاركة في الأنظمة الجاهلية لا يمكن أن تكون طريقًا للقضاء عليها وإقامة حكم الله؛ لأن هذه الأنظمة قادرة في أي وقت على إحباط محاولات الإسلاميين للوصول إلى السلطة عن طريق البرلمانات كما حصل -على سبيل المثال- في الجزائر.
5 -أن الدخول في المجالس النيابية يميّع قضية الحكم بما أنزل الله؛ وقضية الولاء والبراء.
فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا
وخلاصة القول بأن المضار المترتبة على الدخول في المجالس النيابية وتولي الولايات أكثر من المنافع التي قد تنجم عنها، وأن اللعبة الدبلوماسية يأكل فيها القويُّ الضعيفَ، وأن ما يقال من مكاسب فهو نظري لا وجود له على أرض الواقع إلا قليلًا. ثم إنه لا نزاع بين الفريقين في أن الأمر به مفاسد كثيرة، وهذا أمر يحتاج إلى نظر في الواقع وتأمل كبير، ومشاورة واستعانة بأهل الخبرة، ونظر في التجارب السابقة. و ان هذا كله لا يغني عن دعوة الناس الفردية والجماعية، والسعي في تعبيدهم لله رب العالمين، وغرس محبته وتعظيمه وتعظيم رسوله وشرعه في نفوسهم؛ ليَقبلوا حكم الله، فليست المشاركة البرلمانية وتولي الولايات بديلًا عن الدعوة، ولا تغني عنها،
6 -أن المسئولية في المجالس النيابية مسئولية جماعية، وأن القوانين الصادرة عن مجلس النواب يتحمل مسئوليتَها كلُّ أعضائِه، ولو كان بعضهم غيرَ موافقين على هذه القوانين؛ لأنها في النتيجة النهائية تصدر عن مجلس النواب باعتباره سلطة تشريعية.
7 -وقال المانعون أيضًا: إن الرسول ^ لم يشارك في هذه المجالس، فقد كان عند قريش ما يشبه مجلس الأمة اليوم، وهو ما يسمى بدار الندوة، فكان بإمكانه أن يغير المجتمع للاتجاه الإسلامي عن طريق دخولها ولكنه لم يفعل.
7 -أن النائب الإسلامي يكثِّر سوادَ المنحرفين بمجرد دخوله هذه المجالس.
خاتمة
لقد ابتلي المسلمون بسقوط خلافتهم وتمزق دولتهم تحت أقدام الكفار، وأقام الكفار هذه الأنظمة الكفرية العلمانية؛ (الديكتاتورية) تارة و (الديموقراطية) أخرى، وألغَوا الخلافة، وحكموا الناس بقوانين جاهلية، وتلك محنة ومصيبة لا تعدلها مصيبة، ونازلة لم يسبق لها نظير في تاريخ الأمة، فان المصلحة الشرعية في ردّ الأمة إلى دينها، وتحكٍيمها بشريعة ربها، وتقام خلافة الإسلام الراشدة؛ فهذا المتعين، لا سيما والمكر الآن يدبَّر والدعوات تطلق على أوسع نطاق لتغيير هوية الأمة ومرجعيتها الدينية، وحينئذ فحدِّثْ ولا حرج عن الكفر والفساد الذي لم يسبق له نظير، عياذًا بالله تعالى.
كما أنه لابد من اجتذاب الشباب المثقف الواعي الذي كان وقود هذه الثورة، ولا يجوز تركه تختطفه الأحزاب العلمانية واللادينية، ولا يمكن تحقق ذلك إلا بخطابٍ واعٍ متفاعلٍ مع الواقع بممارسة الدعوة إلى الله بجميع أبعادها وتوسيع المدارك لإدراك ذلك يقتضي المشاركة في الشأن العام، وعدم قصر خدمة الدين على التعلم والتعليم، وتأليف الكتب والرسائل والأبحاث النظرية، وكأن هذا غاية المراد من رب العباد، فالسياسة الشرعية دين، وبابها باب دعوة ونفع عام، وقد أسلفنا أن الولايات من أعظم القربات وأجل الطاعات، فالانشغال بعودة الامة الى ما كان عليه النبى واصحابه هو اقرب الطرق لتحقيق هذه الغاية.
وإنما الصراط المستقيم صراطُ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هي سبيلُ نبيِّنا محمد وسبيل خلفائه وأصحابه ومَن سلك سبيلهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار