الصفحة 112 من 165

إلى الإتفاق في أصل التوحيد والتنوع في فروع الشريعة وأحكامها ... فقد يكون الشيءُ في باب الأحكام في شريعة من قبلنا حرامًا ثم يحل لنا كالغنائم، وقد يحصل العكس، أو شديدًا على من قبلنا فيخفف عنا وهكذا .. ولذا فليس كلُّ شرعٍ في شرع من قبلنا شرعًا لنا .. خصوصًا إذا عارضه من شرعنا دليل ..

وقد صح الدليل في شرعنا على معارضة هذا الذي كان مشروعًا ليوسف عليه السلام، وتحريمه علينا .. فروى ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبراني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين عليكم أُمراء سفهاء يقربون شرار النّاس، ويُؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا، ولا شرطيًا، ولا جابيًا، ولاخازنًا) .

والراجحُ أنَّ هؤلاء الأمراء ليسوا كفارًا بل فُجارًا سفهاء، لأن المحذِّر عادةً إذا حذر فإنما يذكر أعظم المفاسد والمساوئ، فلو كانوا كفارًا لبينه صلى الله عليه وسلم، لكن أعظمَ جرائمهم التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا؛ هي تقريب شِرار النّاس وتأخيُر الصلاة عن مواقيتها .. ومع هذا فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم ها هنا نهيًا صريحًا عن أن يكون المرءُ لهم خازنًا .. فإذا كان توالي وظيفة الخازن عند أُمراء الجور منهيًا عنه في شرعنا ومحرمًا .. فكيف بتولي وزارة الخزانة عند ملوك الكفر وأُمراء الشرك؟. {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم} فهذا دليلٌ صحيحٌ وبرهانٌ صريحٌ على أنَّ هذا كان من شرع من قبلنا، وأنه منسوخٌ في شرعنا ... والله تعالى أعلم ..

وفي هذا الكفاية لمن أراد الهداية .. لكن من يُقدِّم استحسانه واستصلاحه وأقاويل الرجال على الأدلة والبراهين، فلو انتطحت الجبال بين يديه لما ظفر بالهدى .. {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا .. } .

وأخيرًا وقبل أن أختم الكلام على هذه الشبهة أُنبِّه إلى أنَّ بعض المفتونين الذين يسوِّغون الشرك والكفر باستحسانهم واستصلاحهم الولوغَ في الوزارات الكفرية والبرلمانات الشركية يخلطون في حججهم وشبههم كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول تولي يوسف عليه السلام الوزارة ... وهذا في الحقيقة مِن لَبس الحق بالباطل ومن الإفتراء على شيخ الإسلام وتقويله ما لم يقله .. إذ هو رحمه الله تعالى لم يحتج بالقصة لتسويغ المشاركة في التشريع والكفر أو الحكم بغير ما أنزل الله ... معاذ الله فإننا نُنزه شيخ الإسلام ودينَه بل نُنزه عقله عن مثل هذا القول الشنيع الذي لم يجرؤ على القول به إلا هؤلاء الأراذل في هذه الأزمنة المتأخرة، نقول هذا .. حتى ولو لم نقرأ كلامه في هذا الباب، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل، فضلًا عن أن يصدر من عالم رباني كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ... فكيف وكلامُه في هذا الباب واضحٌ وجليٌّ .. حيث كان كلُّه مُنصبًا على قاعدة درء أعظم المفسدتين وتحصيلِ أعلى المصلحتين عند التعارض .. وقد علمتَ أنَّ أعظم المصالح في الوجود هي مصلحةُ التوحيد وأنَّ أعظم المفاسد هي مفسدة الشرك والتنديد .. وقد ذَكر أنَّ يوسف عليه السلام كان قائمًا بما قدر عليه من العدل والإحسان، كما في الحسبة حيث يقول في وصف ولايته: (وفَعلَ من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان) اه.

ويقول: (لكنْ فَعلَ الممكنَ من العدل والإحسان) اه.

ولم يذكر مُطلقًا أنَّ يوسف عليه السلام شرّع مع الله تعالى أو شارك بالحكم بغير ما أنزل الله أو اتبع الديمقراطية أو غيرها من الأديان المناقضة لدين الله، كما هو حالُ هؤلاء المفتونين الذين يخلطون كلامه رحمه الله تعالى بحججهم الساقطة وشبهاتهم المتهافتة ليضلوا الطَغام، وليلبسوا الحق بالباطل والنور بالظلام ...

ثم نحن يا أخا التوحيد ... قائدنا ودليلنا الذي نرجع إليه عند التنازع هو الوحي لا غير - كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم .. وكلُّ أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤخذ من قوله ويرد - فلو أنَّ مثل ما يزعمون صدر عن شيخ الإسلام وحاشاه - لمَا قبلناه منه ولا ممن هو أعظمُ منه من العلماء، حتى يأتينا عليه بالبرهان من الوحي ... {قل إنما أُنذِركم بالوحي} . {قلْ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} .

فتنبه لذلك وعَض على توحيدك بالنواجذ، ولا تغتر أو تكترث بتلبيسات وإرجافات أنصار الشرك وخصوم التوحيد ... أو تتضرّر بمخالفتهم وكن من أهلِ الطائفة القائمة بدين الله الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ الله وهم كذلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت