الصفحة 114 من 165

الظاهر خوفًا من سلطان الحق .. وهذا نفاقٌ يعامل أهله في الدنيا بما يظهرون .. بل في قوله: {حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا .. } دلالة على إيمانهم ولو ظاهرًا برسالته.

ويجدر التنبيه هنا إلى أنَّ بعض المفتونين قد ذكروا مؤمن آل فرعون أيضًا في شبهاتهم في هذا الباب بحجة أنه كان يكتم إيمانه .. فنقول: ما وجه الدلالة في نزاعنا هذا من قصة ذلك المؤمن؟. إن هناك فرقًا شاسعًا بين كتم الإيمان واخفائه للمستضعفين وبين المشاركة في الكفر والشرك والتشريع والتواطئ على دين غير دين الله تعالى .. فهل تستطيعون أن تثبتوا لنا أن ذلك المؤمن قد شرع كما تشرعون أو أنه قد شارك بالحكم بغير ما أنزل الله كما تشاركون أو أنه تواطأ على الديمقراطية أو غير دين الله كما تفعلون؟ أثبتوا ذلك أولًا ودونه خرطُ القتاد ثم بعد ذلك استدلوا بفعله .. وإلا فخلوا عنكم الهذر والهذيان ..

بيان أصل الأصول والغاية من الخلق وإنزال الكتب ودعوة المرسلين وملة ابراهيم والعروة الوثقى

اعلم رحمك الله تعالى أنَّ رأس الأمر وأصله وعموده، وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه والعمل به، قبل الصلاة والزكاة وسائر العبادات، هو الكفر بالطاغوت واجتنابه، وتجريد التوحيد لله تعالى. فلأجل ذلك خلق الله سبحانه الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب وشرع الجهاد والاستشهاد ... ومن أجله كانت الخصومة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن أجله أصلًا تقوم الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة ... قال تعالى: {وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون} أي: ليعبدونني وحدي .. وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولًا أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} .

وهذا الأمر أعظم عروة من عُرى الإسلام، و لاتقبل دعوة ولا جهاد ولا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج إلا به، ولا يمكن النجاة من النار دون التمسك به، إذ هو العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم ... أما ما سواها من عُرى الدين وشرائعه فلا تكفي وحدها دون هذه العروة للنجاة ... قال تعالى: {قد تبيَّن الرُّشد مِن الغَيِّ فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله فقد استمسك بالعُروة الوُثقى لا انفصام لها .... } .

وقال سبحانه: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهمُ البشرى فبشر عباد} .

وتأمل كيف قدّم الله الكفرَ بالطاغوت واجتنابه في الذكر على الإيمان به والإنابة إليه سبحانه .. تمامًا كما قدم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ... وما ذلك إلا تنبيهًا على هذا الركن العظيم من هذه العروة الوثقى، فلا يصح الإيمان بالله ولا ينفع إلا بالكفر بالطاغوت أولًا ...

والطاغوت الذي يجب عليك أن تكفر به وتجتنب عبادتَه لتستمسك بعروة النجاة الوثقى ليس فقط أحجارًا وأصنامًا وأشجارًا وقبورًا تُعبد بسجود أو دعاء أو نذر أو طواف وحسب ... بل هو أعم من ذلك ... فيشمل (كلَّ معبودٍ عُبِد من دون الله تعالى بأي نوعٍ من أنواع العبادة وهو غير منكر لذلك) .

فالطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة المخلوق حده الذي خلقه الله له ... والعبادة أنواع، فكما أن السجود والركوع والدعاء والنذر والذبح عبادة فكذلك الطاعة في التشريع عبادة ... قال تعالى عن النصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} . وهم لم يكونوا يسجدون أو يركعون لأحبارهم ... لكن أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال وتواطؤوا معهم على ذلك فجعل الله تعالى ذلك اتخاذًا لهم أربابًا ... لأن الطاعة في التشريع عبادة لا يجوز أن تُصرف لغير الله ... فلو صرفها المرء لغير الله تعالى ولو في حُكمٍ واحدٍ كان بذلك مشركًا ...

ويدل على هذا دلالة واضحة تلك المناظرة التي حصلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في شأن الميتة وتحريمها، حيث أراد المشركون أن يُقنعوا المسلمين بأنه لا فرق بين الشاة التي يذبحها المسلمون وبين الشاة التي تموت وحدها، بحجةٍ وشبهةٍ أنَّ الميتة إنما ذبحها الله تعالى، فأنزل الله تعالى حكمه في هذه الواقعة من فوق سابع سماءٍ فقال تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} .

فيدخل في مسمى الطاغوت كلُّ من جعل من نفسه مُشرِّعًا مع الله سواء كان حاكمًا أو محكومًا، نائبًا في السلطة التشريعية أو منوبًا عنه ممن انتخبوه ... لأنه قد جاوز بذلك حده الذي خلقه الله تعالى له، إذ هو خُلق عبدًالله، وأمره مولاه أن يستسلم لشرعه فأبى واستكبر وطغى وتعدّى حدود الله تعالى، فأراد أن يَعْدِل نفسَهُ بالله ويُشاركه بصفة التشريع التي لا يجوز أن يُوصف بها غير الله عز وجل ... وكل من فعل ذلك فقد جعل من نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت