فهرس الكتاب
لكن هيهاتَ ... هيهات، قد فات الأوان وليس مِن كَرةٍ ولا رجعةٍ إلى الدنيا، فإن كنتَ يا عبد الله ترومُ النّجاة وترجو رحمة ربّك التي كتبها للذين يتقون فاجتنب الطواغيت كلَّها، واتقِ شركهم الآن الآن ... فإنه لا يجتنبهم يوم القيامة وينجو من مصيرهم في الآخرة إلا مَن فارقهم واجتنبهم في الدنيا ... أما من رضي بدينهم الباطل وتابعهم عليه فإنَّ مناديًا في عرصات القيامة يُنادي: (من كان يعبدُ شيئًا فليتبعه، فيتبعُ من كان يعبدُ الشمس الشمس، ويتبعُ من كان يعبدُ القمر القمر، ويتبعُ من كان يعبدُ الطواغيت الطواغيت .. ) إلى قوله في الحديث عن المؤمنين حين يقال لهم: (ما يحبسكم وقد ذهب النّاس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي، ليلحق كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربَّنا) .
فتأمل قولَ المؤمنين: (فارقناهم ونحن أحوجُ منا إليه) أي: فارقناهم في الدنيا ... ونحن نحتاج إلى درهمهم ودينارهم وأمور دنياهم ... فكيف لا نفارقهم في هذا المقام العظيم ... ففي هذا بعض معالم الطريق ... ومنه قول الله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} ). أزواجهم أي: أمثالهم وقرناءهم وأشياعهم وأنصارهم على باطلهم ... ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} .
فإياك يا عبد الله أن تُعرض عن كلمة التوحيد وتُفرّط في إثبات ما أثبتته ونفيِ ما نفته وتستكبر عن اتباع الحق وتصر على نُصرة الطاغوت فتكون مع الهالكين ... وتُشاركهم في مصيرهم ...
ثم اعلم أنَّ الله تعالى ضمّن هذا التوحيد الخالص وهذا الأصلَ الأصيل؛ دين الإسلام، واصطفاه لعباده الموحِّدين، فمن جاء به قُبِلَ منه، ومن جاء بغيره من الأديان رد في وجهه وكان من الخاسرين ... قال تعالى: {ووصى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون} .
وقال تعالى: {إنَّ الدينَ عِندَ الله الإسْلاَم} .
وقال: {ومَن يَبتغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .
وإياك أن تُحَجِّر لفظةَ الدين فقط على النصرانية واليهودية ونحوِها ... فتتبع غيرها من الأديان الضالة فتضل ... فهي تشملُ كلَّ ملّةٍ أو منهجٍ أو نظامَ حُكمٍ أو قانونٍ من القوانين التي يتبعها الخلق ويدينون لها ... فكلُّ ذلك أديان يجب البراءة منها واجتنابها ... والكفر بها واجتناب أهلها ... حاشى ملَّةَ التوحيد ودين الإسلام ... قال تعالى آمرًا لنا أنْ نقول لكلِّ الكفار على اختلاف ملّلهم ونحلّهم: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبدُ ما تعبدون ... إلى قوله تعالى .. لكم دينكم ولي دين} ... فكلِّ ملَّةٍ من ملل الكفر اجتمعت على نظام ومنهاج يُخالف ويُضاد دين الإسلام فهو دينهم الذي ارتضوه ... فيدخل في ذلك الشيوعية والإشتراكية والعلمانية والبعثية ونحوها من المبادئ والمناهج المبتدعة التي اخترعها الخلق بأفكارهم المتهافتة وارتضوها أديانًا لهم ... ومن ذلك (الديمقراطية) فإنها دينٌ غير دين الله تعالى ... وإليك كلمات عابرة في بيان ضلال هذا الدين المبتدع المخترع الذي فُتن به كثيرٌ من الخلق، بل كثيرٌ ممن ينتسبون للإسلام، لتعلم أنه ملَّةٌ غير ملَّةِ التوحيد وسبيلٌ من السبل المنحرفة عن الصراط التي يقف على باب كلِّ واحدٍ منها شيطان يدعو إلى النَّار ... فتجتنبه ... وتدعو النَّاس إلى اجتنابه.
فصل: الديمقراطية دينٌ كفريٌّ مبتدع وأهلها بين أرباب مشرِّعين وأتباع لهم عابدين
اعلم أن أصل هذه اللفظة الخبيثة (الديمقراطية) يوناني وليس بعربي ... وهي دمجٌ واختصارٌ لكلمتين؛ (ديموس) وتعني الشعب .. و (كراتوس) وتعني الحكم أو السلطة أو التشريع ... ومعنى هذا أن ترجمة كلمة (الديمقراطية) الحرفية هي: (حكم الشعب) أو (سلطة الشعب) أو (تشريع الشعب) ..
وهذا هو أعظمُ خصائص الديمقراطية عند أهلها ... ومن أجله يلهجون بمدحها، وهو يا أخا التوحيد في الوقت نفسه من أخص خصائص الكفر والشرك والباطل الذي يناقض دين الإسلام وملَّةَ التوحيد أشدَّ المناقضة ويُعارضه أشدَّ المعارضة ... لأنك قد عرفتَ فيما مضى أنَّ أصل الأصول الذي خُلق من أجله الخلق وأنُزلت الكتب وبُعث الرسل، وأعظم عُروة في الإسلام هو توحيد العبادة لله تعالى واجتنابُ عبادة ما سواه .. وأنَّ الطاعة في التشريع مِن العبادات التي يجب أن تُوّحد لله تعالى وإلا كان الإنسان مُشركًا مع الهالكين ..