فهرس الكتاب
{قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ... } . {وقلِ الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا ... } .
{أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .
فصل: ردود على شبهات وأباطيل تسوِّغ دين الديمقراطية
يقول تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر مُتشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا وما يذكر إلا أُولو الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} باطيلأ.
يبين الله تعالى لنا في هذه الآيات أن الناس مع شرعه سبحانه قسمان:
أهل علم ورسوخ: يأخذونه ويؤمنون به جميعًا، فيربطون العام بمخصصه، والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه، وكل ما أشكل عليهم ردوه إلى أمه من الأصول المحكمات البينات والقواعد الراسيات الراسخات التي تضافرت عليها دلائل الشرع.
أهل زيغ وضلال: يتبعون المتشابه منه، يأخذونه ويفرحون به وحده ابتغاء الفتنة .. معرضين عن محكمه أو مُبينه أو مفسره ...
وها هنا .. في باب الديمقراطية والمجالس النيابية الشركية ونحوها ... يسلك القوم طريق أهل الزيغ والضلال فيتتبعون حوادث وشبهات ويأخذونها منفردة، دون أن يربطوها بأصولها المبينة أو المقيدة أو المفسرة من قواعد الدين وأسسه الراسيات ... وذلك ليلبسوا الحق بالباطل والنور بالظلام ...
لذا، فسنعرض ها هنا سريعًا لأشهر شُبهاتهم في هذا الباب، نُفنِّدها وندحضها ونرد عليها بعون الملك الوهاب مُجري السحاب وهازم الأحزاب.
الشبهة الثانية: أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله ومع ذلك كان مسلمًا
واحتج أهلُ الأهواء أيضًا بقصة النجاشي للترقيع لطواغيتهم المشرِّعين سواءً كانوا حكامًا أو نوّابًا في البرلمان أو غيرهم ..
فقالوا: إنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله تعالى بعد أن أسلم وبقي على ذلك إلى أن مات ومع هذا فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا صالحًا وصلى عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه.
أولًا: يلزم المحتج بهذه الشبهة المتهافتة قبل كلِّ شيءٍ أن يثبت لنا بنصٍ صحيحٍ صريحٍ قطعي الدلالة أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله بعد إسلامه .. فقد تتبعتُ أقاويلهم من أولها إلى أخرها .. فما وجدتُ في جعبتهم إلا استنباطات ومزاعم جوفاء لا يدعمُها دليلٌ صحيحٌ ولا برهانٌ صادقٌ، وقد قال تعالى: {قل هاتوا بُرهانكم إن كنتم صادقين} . فإذا لم يأتوا بالبرهان على ذلك فليسوا من الصادقين بل هم من الكاذبين ..
ثانيًا: إنَّ مِن المسَلَّم به بيننا وبين خصومنا أنَّ النجاشي قد مات قبل اكتمال التشريع .. فهو مات قطعًا قبل نزول قوله تعالى: {اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلام دينًا ... } . إذ نزلت هذه الآية في حَجة الوداع، والنجاشي مات قبل الفتح بكثير كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره ...