الصفحة 124 من 165

ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم - ويأتسى به فيه من يلي الأمر من بعده - هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيمُو الصلاة، المؤدُو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِيلني منكم أولو الأحلام والنهى) . ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أنَّ لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدمُ شريعة الإسلام. هؤلاء وأُولئك - من بين كافرٍ وفاسقٍ - موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء.

والآية الأخرى، آية سورة الشورى - كمثل هذه الآية وضوحًا وبيانًا وصراحةً: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} اهـ.

الشبهة الرابعة: مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول

هذا واحتج بعض سُفائهم بمشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حِلف الفضول قبل البعثة، لتجويز المشاركة في البرلمانات التشريعية الشركية.

إنَّ المحتج بهذه الشبهة إما أنه لا يعرف ما حلفُ الفضول فيهرفُ بما لا يعرف ويتكلمُ فيما لا يعلم .. أو أنه يعرف حقيقته فيخلط الحق بالباطل على الخلق ليلبس النور بالظلام والشرك بالإسلام .. وذلك لأن حلف الفضول كما ذكر ابن اسحاق في السيرة وابن كثير والقرطبي في تفسيره وغيرهم .. تكوَّن لما"اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحِلف حلفَ الفضول. أي حِلف الفضائل"اه.

ويقول ابن كثير: (كان حلفُ الفضولِ أكرمَ حِلفٍ سمع به وأشرفه في العرب، وكان أولُ من تكلم به ودعا إليه الزبير ابن عبد المطلب، وكان سببه أنَّ رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عن حقه، فاستعدى عليه الزبِيدي أقوامًا من الأحلاف فأبوا أن يُعينوا على العاص بن وائل وانتهروا الزبِيدي، فلما رأى الزبيديُّ الشرَّ أوفَى على جبل أبي قُبيْس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة مناديًا بأعلى صوته:

يا آل فهرٍ لمظلومٍ بضاعته ببطنِ مكة نائي الدار والنفرِ

ومحرمٍ أشعتٍ لم يقضِ عُمرته يا للرجال وبين الحِجْر والحَجرِ

إنَّ الحرام لمن ماتت كرامته ولا حرامٌ لثوب الفاجر الغدرِ

فقام لذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مُترك؟ فاجتمعت هاشم وزُهرة وتيم بن مُرة في دار عبد الله بن جُدعان، فصنع لهم طعامًا وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدًا واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحرٌ صوفة وما رسيَ ثبير وحراء مكانهما وعلى التأسي في المعاشي، فسمَّت قريش ذلك الحلف حِلْف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضلٍ من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبِيدي فدفعوها إليه. وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث: أنَّ رجلًا من خثعم قدم مكة حاجًا - أو معتمرًا - ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه، فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول: فإذا هم يعنقون إليه من كلِّ جانب؛ وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ (102) فقال: إنَّ نبيهًا ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسرًا، فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية ويحك! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه، فقال: أفعل. ولكن متعوني بها الليلة، فقالوا: لا ولا شَخْبُ لقحة فأخرجها إليهم ..

وقال الزبير في حِلْفِ الفضول:

إنَّ الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يُقيم ببطن مكة ظالمُ

أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجارُ والمُعْترُّ فيهمُ سالمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت