الصفحة 130 من 165

فُوجئَ النَّاس وفُوجئَ النائب العالم بحلِّ البرلمان بعد أن كان هو رئيسًا للجنة مرافعات تطبيق الشريعة الإسلامية، وظل يُوالي مع اللجنة عملية الدراسة والتقنين عبر ثلاثين اجتماعًا. وفي غيبة البرلمان صدر قرارٌ خطيرٌ في مسألة تمس حياة النّاس الشخصية. فوقف النائب العالم ضد هذا القرار لأنه مخالفٌ للإسلام والدستور، ولكن القاعدة تقول: أنَّ البرلمان كلّه يمكن أن يحل بقرار إذا أرادت الدولة فرض أمر على الناّس حتى ولو كان مخالفًا للإسلام.

أما أهم قاعدة يستند إليها البرلمان فقد لخصها النائب العالم بقوله:

(إنه مهما أُوتِيتُ من حجج ومهما استند موقفي إلى الكتاب والسنّة فإن من عيوبِ البرلمان ومسئوليته الفادحة أنَّ الديمقراطية تجعل القرار مُلكًا للغالبية المطلقة بإطلاق وبلا قيد ولا شروطٍ ولو خالف الإسلام) .

أحس النائب العالم بأنَّ زحفًا من التضييق عليه يشتد من جانب الحكومة، ومن رئيس البرلمان، ومن حزب الغالبية؛ وافتعلت رئاسة البرلمان ثورات ضده، واتهمته بأنه يُعطل أعمال اللجان. ولكنَّه استمر في بذل جهوده. فقدم العديد من الأسئلة التي لم تدرج في جداول الأعمال، وقام بالعديد من طلبات الإحالة فوجدها قد دُفنت ولم تقم لها قائمة، ثم عاد إلى استخدام سلاح الاستجواب الذي لا يمكن رده. فاستجوب وزراء الحكومة عن ضرب الدولة للقضاء الشرعي والأوقاف، والمعاهد الدينية، ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، وعن ضربها لمناهج التعليم في الجامعات الدينية بحجة تطويرها، وعن ضربها للمساجد بإصدارها قانونًا لا يسمح لأحد حتى ولو كان من (المشايخ) أن يدخل دُور العبادة، وأن يقول ولو على سبيل النصيحة الدينية قولًا يُعارض به قرارًا إداريًا أو قانونًا مُسْتَقِرًا؛ ومن فعل ذلك حبس وغرم، فإن قاوم ضُوعفت الغرامة وسجن.

قدم النائب العالم استجوابًا إلى وزير السياحة لأنَّ طلابًا في المدارس الفندقية أُرغموا على تذوق الخمور فرفضوا ففصلوا، وقدم استجوابًا آخر إلى وزير الإعلام بُغية تطهير وسائل الإعلام من العربدة التي تعصفُ بالقِيَّم والأخلاق ومقدسات البلاد، واستجوابًا ثالثًا إلى وزير النقل والمواصلات عن صور القصور والتقصير بهذه المرافق، وشعر النائب العالم أنه يقدم الاستجواب تِلْوَ الاستجواب إلى بالوعات، فوقف في البرلمان يحاسب رئيسه ويتهمه بالخروج على لائحة البرلمان، فأمر رئيس البرلمان في لعبةٍ مثيرة بإدراج الاستجوابات الثلاثة في جلسة واحدة مع أنَّ كلّ استجواب يحتاج إلى أيام، ثم دعا الهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية لتحبط هذه الاستجوابات، ونودي على وزير السياحة فتدخلت الحكومة التي اعترضت على إدراج هذا الاستجواب في جدول الأعمال لأنَّ فيه كلمةً نابية هي بالضبط (اتهام صاحب الاستجواب الوزير بأنه جافى الحقيقة أثناء رده على السؤال) ثم طُرح الموقف على نُواب البرلمان فقرروا إحباط الاستجواب وعطلوا ما يسمى بالحق الدستوري للنائب في محاسبة الدولة، ثم نُودِي على الاستجواب الثاني المقدم لوزير الإعلام، وكما انتصر النواب للخمر، انتصروا للرقص رغم أنَّهم عاهدوا الله على النصرة لشريعته، ثم نُودِي على وزير النقل لكن النواب رأوا أنّ محاسبة الوزير تتلاقى مع أهوائهم، فقام النائب العالم إلى المنصة وقال لنواب البرلمان:

(يا حضرات النواب المحترمين لستُ عابدَ منصبٍ ولستُ حريصًا على كرسي لذاته، ولقد كان شعاري مع أهل دائرتي(أعطني صوتك لنصلح الدنيا والدين) وكنت أظن أنه يكفي لإدراك هذه الغاية أن تقدم مشروعات القوانين الإسلامية لكنه تراءى لي أنَّ مجلسنا هذا لا يرى لله حكمًا إلا من خلال الأهواء الحزبية، وهيهات أنْ تسمح بأن تكون كلمة الله هي العليا ..

لقد وجدتُ طريقي بينكم إلى هذه الغاية مسدودًا، لذلك أُعلن استقالتي من البرلمان غير آسفٍ على عضويته).

وقبل أن أختم هذا أذكّر أولئك المخدوعين الذين يرقّعون لمثل هذه التصريحات بأنها مؤقتة ودبلوماسية، وأن حقيقة أهداف القادة إسلامية نقية، أذكرهم إن كانوا ممن لا يرفعون بالأدلة الشرعية رأسا، بدرس واقعي قريب خاضت غماره جماعة الإخوان المسلمين مع طاغوت مصر الهالك (جمال العبد الخاسر) لا نفتريه عليهم و إنما ننقله من رواية بعض رؤوسهم الذين خاضوا الدرس بكل مرارته، ولا أدري اتعظوا منه أم لم يتعظوا بعد ... يروي الأستاذ عبد القادر حلمي والأستاذ صلاح شادي و غيرهم في ثنايا إثباتهم للدور الكبير الذي لعبه الإخوان في حركة 23 يوليو 1952 م قالوا بعد أن أوردوا أهداف الإنقلاب التي ذكرها لهم عبد الناصر في اجتماعاتهم قبل التنفيذ: (وكانت وجهة نظرنا تتلخص في أن مبادئ الإسلام هي الأساس الوحيد الصالح لحكم مصر ولعلاج الجانب السياسي و الاجتماعي والاقتصادي منها؛ وأقر عبد الناصر ذلك وأكد تمسكه بالإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت