الصفحة 47 من 165

ألا ترون معي غرابة ذلك الشيء، المصدر الرئيسي للتشريع في بلد ما، يجب أن يكون محددا، معروفًا، مدروسًا!

فما المراجع التي يمكننا الاعتماد عليها لشرح وتحديد: مبادئ الشريعة الإسلامية؟

هل يوجد في مصر، أو في أي مكان بالعالم كتاب عنوانه: مبادئ الشريعة الإسلامية؟ بحيث نقلب صفحاته، فنجده يقول: المبدأ الأول كذا والثاني كذا ... إلخ؟

كم شهادة "ماجستير" في جامعات القاهرة والإسكندرية والأزهر، منحت لدارسين تخصصوا في حصر وشرح وتبويب مبادئ الشرعة الإسلامية؟

كم رسالة "دكتوراة"؟

كم قسم في كليات الحقوق والشريعة تخصص في مبادئ الشريعة، التي هي المصدر الرئيسي للتشريع؟

حتى المحكمة الدستورية العليا، لم تجد تعريفًا محددًا غير: "الأصول الكلية للشريعة الإسلامية، ومبادئها المقطوع بثبوتها ودلالاتها "! فسر الماء بالماء، وفسر المبادئ بالمبادئ!

فهل يتفضل فقهاء المحكمة الدستورية، ويعطوننا أمثلة حصرية لتلك الأصول الكلية، مقطوعة الثبوت والدلالة؟

أرجو أن يتفضل فرد، أو جهة، بإجابة محددة، لها بداية ونهاية:

ما هي مبادئ الشريعة؟؟

أما الإجابة على هذا السؤال الهام، فنقول وبالله التوفيق:

من المعلوم أن المادة الثانية في الدستور المصري نصت على أن: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

واعلم - وفقني الله وإياك - أن هذا النص قد ورد في كل الدساتير المصرية السابقة على دستور 1971 م، ما عدا دستور 1958 م "دستور الوحدة مع سوريا"، غير أنه لم يكن يتضمن العبارة الأخيرة التي تنص على أن"مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، والتي أضيفت في دستور 1971 م دون الألف واللام، ثم أضيف إليها في التعديل الأول للدستور عام 1980 م، في عهد السادات، وقد أبقى عليه المجلس العسكري في 30 مارس 2011 م في "الإعلان الدستوري" وذلك بعد ثورة 25 يناير والتي أطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك.

واعلم - هداني الله وإياك للصواب - أن هذه المادة المذكرة آنفا هي مادة خاطئة في نصها وملبسة على الناس أمر دينها ومفرغة عن معناها!

أما كونها خاطئة في نصها: فلأنها نصّت على "مبادئ الشريعة الإسلاميّة"، ولم تنص على "أحكام الشريعة الإسلاميّة".

و"مبادئ الشريعة" كما عرفها علامتهم عبد الرزاق السنهوري: "كلياتها التي هي ليست محل خلاف بين الفقهاء"، وهو أول من وضع هذا المفهوم في النظام القانوني المصري، وبالتحديد في القانون المدني الذي صدر سنة 1947 م والذي لا زال مطبقًا في مصر حتى الآن.

وأنا أختاره هنا كتعريف أدق من ذلك الذي وضعته المحكمة الدستورية العليا في أحكامها بأنها "الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة"!!.

ومبادئ الشريعة على قول السنهوري هي: "لا ضرر ولا ضرار"، و"درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح" و"ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب"، و"الحكم يدور مع العلّة وجودًا وعدمًا"، و"الضرورات تبيح المحظورات"، وبهذا فإنه يمكن أن تشترك فيها كثير من القوانين الوضعيّة مع الشريعة الإسلاميّة، ومع ذلك تختلف معها في الأحكام.

فما هو النزاع بين الإسلام وغيره من الأنظمة غير الإسلامية؟؟؟ والجواب هو أن الإسلام لا يصطدم مع عقلاء البشر من وجوب جلب المصالح ودفع المفاسد وإنما النزاع في تحديد المصالح وكيفية جلبها وتحديد المفاسد وكيفية دفعها، فبعدما اتفقنا على وجوب جلب المصالح ودفع المفاسد اختلفنا في تحديد معنى المصالح وكيفية تحقيقها ومعنى المفاسد وكيفية دفعها، وتميز الإسلام عنهم بذلك، فالربا مثلا وهو من أعظم المصالح عندهم، هو ذاته من أعظم المفاسد في الإسلام، التي تستوجب محاربة الله سبحانه ورسوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة. هذا من حيث تعريف حقائق الأشياء، أما من حيث أحكام المصالح والمفاسد بعد الاتفاق على حقيقتها -أعني المصالح والمفاسد- كالزنا مثلا، فبعد الاتفاق على مفسدتها، تميز الإسلام عن غيره من الأنظمة في الأحكام المتمثلة في كيفية الثبوت وإجراء العقوبات، فالقانون المصري الوضعي في المواد (167، 268، 274، 275، 276، 277) يتنافى ويختلف مع أحكام الشريعة الإسلامية في توصيف جريمة الزنا وعقوبتها.

فمثلا جريمة الزنا لا تعد فاعلته مجرمة إلا إذا وقع في بيت الزوجية وبغير رضا الزوج أو كانت قد اتخذته مهنة. وحتى إذا اتخذته مهنة فإن الفاعل لا يعد مجرما بل يأتي شاهدا عليها. وعقوبة الزوجة الزانية هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت