الصفحة 51 من 165

الدعوة السلفية والعمل السياسى

فهذه نصيحة اقتضتها حقوق الأخوة الإيمانية فيما بيننا وبين إخوة الدعوة السلفية خاصة لما لهم في نفوسنا ونفوس غيرنا من المحبة والولاء بقدر ما فيهم من الطاعة وحسن الدعوة إلى الله -عز وجل- ورفعهم لشعار "الخير كل الخير في اتباع من سلف والشر كل الشر في ابتداع من خلف" ولقد جاء زمان على هذه الدعوة وهي تفرد الله -عز وجل- بالعبادة والنسك وتوحد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإتباع، وكانت هذه الأخيرة من نقاط التميز الواضحة في هذه الدعوة ولهذا أحببناها وناصرناها، وما زلنا مستعدين لمناصرتها طالما أنها تمسكت بتوحيد الله - عز وجل - بالعبادة وتوحيد النبي-صلى الله عليه وسلم - بالإتباع، وقد كنا نتمنى ألا يأتي على هذه الدعوة ما أتى على غيرها من الدعوات، فعندما يطول المدى وتتضخم الدعوة وينتشر أبناؤها في أنحاء مختلفة تأخذ دوافع التغيير مجالها وتتتابع عليها الفتن ومع كل فتنة تفقد الدعوة ثوابتها واحدًا بعد الآخر حتى تنكر نفسها وينكرها من عرفها حق المعرفة وتصبح دعوة أخرى غير التي كانت، ويتم هذا كله تحت شعار "مصلحة الدعوة" أو تحت شعار " المصلحة العامة ومراعاة الواقع "

وهذه الشعارات وإن كانت براقة لامعة فهي بالحقيقة خادعة ومفسدة، وتأتي الفتنة دائمًا من الغلط أو المغالطة في تحديد ماهية المصالح والمفاسد والقراءة الغالطة أو المغالطة للواقع. فالغلط في تحديد المصالح والمفاسد والقراءة المغلوطة للواقع تؤدي في النهاية إلى التحريف الشرعي وتزوير الواقع وهذا لا يرضى به مسلم بل ولا يرضى به منصف أيًا كان، وتحريف الشرع وتزوير الواقع هو عين الفتنة لا أقول فتنة فرد بل فتنة أمة وذلك لما يؤدى إليه من طمس الحقائق الشرعية الواضحة الجلية التي لا تقبل الجدل ولا المناقشة ولا الحوار لكونها مسلمات قطعية من دين الإسلام معلومة بالإضطرار كحق الله الخالص في التشريع، وأنه لا حق للبشر في أن يشرع من دون الله عزوجل

تطمس هذه الحقيقة بالمصالح والمفاسد المتوهمة والقراءة الغالطة والمغالطة للواقع فيغدوا التشريع حقًا للبشر تقر من أجله سلطة التشريع ويقال للناس نرضى باختيار الشعب للسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية , وهكذا يفسد فهم العامة فضلا عن طلاب العلم للحقائق والمصطلحات الشرعية ومن ثم يفسد فهمهم للدين وللواقع على حد سواء , ويؤدى ذلك بدوره إلى التلبيس الذى هو أخص خصائص اليهود بل هو مهمتهم التاريخية , والتلبيس يؤدى إلى ترويج المناهج الكفرية الشركية تحت عناوين ومسميات إسلامية فيحكم الكفر باسم الإسلام كمناداة البعض بالإشتراكية الإسلامية ... إلخ ويتخرج جيل ممسوخ من السلفيين.

فتأتى العناوين بيضاء وصفحاتها سوداء مظلمة وإذا كان الفهم الغالط للمصالح والمفاسد على هذا الوصف عين الفتنة لأنها تتحول إلى دعوة للإضلال وهذا يستوجب الحذر والمبالغة في الحذر لكي يكون الداعية المسلم والجماعة المسلمة على بصيرة من أمرهما , فلا ينبغى لمسلم أن يخطو خطوة أو يدعو إلى دعوة سياسية أو غير سياسية إلا وقد عرف حكم الإسلام في ذلك وأن يتمهل ويدرس ويفحص ويستعين بالله -عز وجل- ليهديه سواء السبيل , فكم من مسلم تعجل وخطى على غير بصيرة فلقد كتب واحد من كبار دعاة الإسلام كتابا بعنوان " إشتراكية الإسلام " وكان أول من إكتوى بنار الإشتراكية في بلاده , ورأينا من دعى إلى الليبرالية السياسية ثم إحترق بنارها وإن في التاريخ المعاصر لعبر لمن يعتبر.

إلا أن المحزن أن يأتى التعجل المبنى على مصالح ومفاسد متوهمة وقراءة غالطة ومغلوطة للواقع من أناس يعرفون العلوم الشرعية ويدرسونها لغيرهم ويدّعون معرفة الواقع , وهم بالفعل قد عرفوا كثيرًا من حقائقه ثم فجأة وبغير مقدمات تنتكس المسيرة وتنقلب المفاهيم فيغدو الباطل حقًا والحق باطلًا ويصبح التلبيس سيد الموقف السياسى بلا منازع عند كثير من أصحاب هذه التوجهات , ويزداد الأمر خطورة عندما يقع في هذا المعترك فصيل إسلامى المفترض فيه أنه من أنقى الدعوات لكونه يوحد النبى - صلى الله عليه وسلم - بالإتباع ويلزم غرز العلماء أو ينادى بذلك ومن أجل ذلك رفع شعار "الخير كل الخير في إتباع من سلف والشر كل الشر في إبتداع من خلف"

فإذا بنا نفاجئ بهذا الفصيل وقد انقلب على معارفه ودعوته لينادى بدعوة جديدة تستند إلى مقررات فلاسفة العقد الإجتماعى في أوروبا من أمثال هوبز ولوك وجان جاك رسو ومونتسكيو وبنتام , فإذا بهذا الفصيل ينادى بمبادئ هؤلاء الفلاسفة في برنامجه السياسى أعنى بذلك "حزب النور"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت