فهرس الكتاب
للتشريع"، ومعنى هذا أنّه يمكن أن تكون هناك مصادر إضافيّة للتشريع تُزَاحِم الشريعة الإسلاميّة، وهذا تمامًا يماثل من يقول: (لا إله أساسي إلا الله) بدلًا من أن يقول "لا إله إلا الله" -لأن الله هو المشرع الوحيد في الإسلام- فهل تقبل هذه الشهادة من أحد أم يعد قائلها كافرا.
وهذه من حيل واضعي القوانين على الشعوب المسلمة. وهذا هو الواقع الحاليّ حيث أنّ القانون المصريّ مأخوذ أساسًا من القانون الفرنسيّ وغيره من المصادر غير الإسلاميّة.
وأما كونها مفرغة عن معناها: فإن هذه المادة أصلا ليست مفعلة، بل هي من باب ذر الرماد في العيون، ليدجل بها أذناب النظام أن الحكم في مصر إسلامي ولكن عند التحقيق يتبين أن هذه المادة لا أثر لها في الواقع ولا تغير الدستور العلماني المخالف للشريعة الإسلامية، بل حتى أنها لا سلطان لها على القضاة في المحاكم وإنما هي تخاطب المشرعين (كما يسمونهم) في مجلس الشعب (البرلمان) وبهذا أفتت المحكمة الدستورية العليا واستندت إلى المادة (165) في الدستور التي تنص على أن الحكم في المحاكم بالقانون. ولهذا يمنع أي قاضٍ من أن يحكم بالشريعة بدلًا من القانون الوضعي، ولذلك عندما أصدر المستشار محمد محمود غراب (القاضي المصري) حكما بالجلد ثمانين جلدة على رجل ضبط بحالة سكر بين بالطريق العام، لم ينفذ هذا الحكم واعتبر باطلا رغم أنه وافق السنة لأنه خالف القانون بزعمهم.
بل واعتبر هذا الحكم مأخذا قضائيا ضد المستشار محمود غراب وأرسلت إليه الإدارة العامة للتفتيش القضائي بوزارة العدل مأخذا قضائيا رقم (5 ـ 81 ـ 1981) تبين فيه بطلان الحكم حيث قالت: "ويؤخذ على هذا الحكم: أنه لما كان من المقرر أنه لا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، وأن العقوبات قد حصرها وليس من بينها ما قضى به الحكم بجلد المتهم، فإنه يكون قد خالف القانون مما يصمه بالبطلا وقد نُقِلَ القاضي محمد محمود غراب بعد هذا الحكم إلى وظيفة إدارية بعيدة عن القضاء ليكون عبرة لغيره ممن يتجرأ ويخالف النظام العلماني للدولة.
"ويؤكد هذا ما قاله المستشار سعد العيسوي رئيس محكمة استئناف الإسكندرية، وذلك عندما أصدر المستشار محمود غراب رحمه الله حكما بالجلد على شارب خمر تنفيذا لأحكام الشريعة الإسلامية، فقال العيسوي: "إن من قضى بهذا الحكم وإن صح، فقد خالف الدستور وهو نص المادة (66) : لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا يقال في ذلك إن حد السكر شرعا هو الجلد، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق، ذلك لأن المشرع وحتى الآن يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلفت مع معتقده الديني أو السياسي، وأفصح المشرع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني بأن القاضي - أي الوضعي - يطبق القانون فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة طبق العرف، وإن لم يجد طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد طبق القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فجنائيا لا يجوز ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلا لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له أو يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون (جريدة أخبار اليوم 19/ 4/1982 م) وقد نقل هذا المقال المستشار محمود غراب رحمه الله في كتابه "أحكام أسلامية إدانة للقوانين الوضعية" (6) اهـ.
والجدير بالذكر أن هذه المادة الثانية من الدستور جاءت بناء على تعديل دستوري وليست اتباعًا لحكم الله ولكنه تعديل صدر لأن أكثر من ثلث أعضاء مجلس الشعب تقدموا بطلب لتعديل بعض أحكام الدستور في 16 يوليو 1979، فأقر مجلس الشعب في جلسته المنعقدة في 30 أبريل 1980 التعديل المقترح ووافق عليه، ثم عرض هذا التعديل حسبما تقضي به المادة (189) من الدستور على الشعب في استفتاء شعبي أجري في يوم 22 مايو 1980 فوافق عليه الشعب، وأصبح هذا التعديل نافذًا من يوم إعلان نتيجة الاستفتاء، (7) أي أن هذا التعديل الدستوري جاء بناء على موافقة أغلبية النواب ثم موافقة أغلبية الشعب الذين يملكون سلطة تعديل القانون والدستور، ولم يجئ لأن الشريعة هي الحاكمة على الدستور والقانون، وبالتالي فإن الشعب يملك أيضًا أن يعدل هذه المادة ويكون بذلك مستخدمًا لحقه وليس مجرمًا في ميزان الدستور، بينما يعد في ميزان الشريعة آثمًا خارجًا على الشريعة، لأن الدستور يعطي السيادة للشعب وحده ولا يعطيها للشريعة، بينما في الإسلام لا يملك أي عدد من الناس ـقل أو كثرـ أن يغير من الشريعة التي يجب أن تطبق سواءً وافق الأكثرون عليها أم رفضوا.
وأخيرًا:
على الدعاة والعلماء والمسلمين في مصر وغيرها أن يدعوا لحملةٍ شعبيةٍ للمطالبة بأن تكون الشريعة هي مصدر القوانين، وأن تكون الشريعة حاكمةً لا محكومةً، وأن لا يكتفوا بخداع المادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقوانين. وأن يطالبوا بالإصلاح التشريعيّ والقضائيّ، ومن أهمّ الإصلاحات التشريعيّة المطلوبة تعديل المادة الثانية من الدستور، بحيث تنص على أنّ "أحكام الشريعة الإسلاميّة هي مصدر الوحيد التشريع"، ويبطل كلّ ما يخالفها من مواد الدستور والقانون.