الصفحة 71 من 165

فإن حلف الفضول كما ذكر أهل السير كابن إسحاق في السيرة, وابن كثير في البداية والنهاية, والقرطبي في تفسيره وغيرهم .. تكوَّن لما "اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان -لشرفه ونسبه- فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحِلف حلفَ الفضول. أي حِلف الفضائل".اهـ

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "كان حلفُ الفضولِ أكرمَ حِلفٍ سمع به وأشرفه في العرب، وكان أولُ من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أنَّ رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عن حقه، فاستعدى عليه الزبِيدي أقوامًا من الأحلاف فأبوا أن يُعينوا على العاص بن وائل وانتهروا الزبِيدي، فلما رأى الزبيديُّ الشرَّ أوفَى على جبل أبي قُبيْس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة مناديًا بأعلى صوته:

يا آل فهرٍ لمظلومٍ بضاعته *** ببطنِ مكة نائي الدار والنفرِ

ومحرمٍ أشعتٍ لم يقضِ عُمرته *** يا للرجال وبين الحِجْر والحَجرِ

إنَّ الحرام لمن ماتت كرامته *** ولا حرامٌ لثوب الفاجر الغدرِ

فقام لذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مُترك؟ فاجتمعت هاشم وزُهرة وتيم بن مُرة في دار عبد الله بن جُدعان، فصنع لهم طعامًا وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدًا واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحرٌ صوفة وما رسيَ ثبير وحراء مكانهما وعلى التأسي في المعاشي، فسمَّت قريش ذلك الحلف حِلْف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضلٍ من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبِيدي فدفعوها إليه. وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث: أنَّ رجلًا من خثعم قدم مكة حاجًا -أو معتمرًا- ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه، فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول: فإذا هم يعنقون إليه من كلِّ جانب؛ وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال: إنَّ نبيهًا ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسرًا، فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له: أخرج الجارية ويحك! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه، فقال: أفعل. ولكن متعوني بها الليلة، فقالوا: لا ولا شَخْبُ لقحة فأخرجها إليهم ..

وقال الزبير في حِلْفِ الفضول:

إنَّ الفضول تعاقدوا وتحالفوا *** ألا يُقيم ببطن مكة ظالمُ

أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا فالجارُ والمُعْتَرُّ فيهمُ سالمُ".اهـ

قال شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي فك الله أسره: "ففي هذا الحِلف وحول هذه الأهداف يتنزل ما يحتج به هؤلاء القوم، مما رواه البيهقي والحميدي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حِلفًا ما أُحب أن لي به حمر النَّعم ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبت) .

ولذا زاد الحميدي (تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعِد ظالمٌ مظلومًا) .

فنسأل القوم ها هنا فتقول:

-ما وجه الدلالة يا أهل الفقه والاستدلال في هذا الحلف وما حواه من فضائل على جواز دخول مجلسٍ يُشَرَّعُ فيه مع الله وِفقًا لدستور إبليس، ويستفتح أهل المجلس مجلسهم هذا بالقسم على احترام ياسق الكفر وقوانينه والولاء لعبيده وطواغيته المحاربين لدين الله وأوليائه، المتولين لأعداء الله وكُفرياتهم؟!

-هل كان في حلف الفضول كفرٌ وشركٌ وتشريعٌ مع الله واحترامٌ لدين غير دين الله، حتى يصح الاستدلال به؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت