فهرس الكتاب
العمل السياسي من منظور شرعى
والمقصود بالعمل السياسي هنا: السعي إلى تكوين أحزاب أو المشاركة فيها، أو الاشتراك في الوزارات والمجالس النيابية والتشريعية من البرلمانات ومجالس الشورى وغيرها من المؤسسات السياسية للدولة، مع ما يستتبعه ذلك من التحالفات المؤقتة والصفقات المتبادلة مع بعض القوى السياسية العاملة بغية التمكين لشريعة الله من خلال هذه المواقع، أو تحصيل بعض المصالح أو منع أو تقليل بعض المفاسد الواقعة.
فان الشأن المصري المتغير بسرعة بعد ثورة (25 يناير) قد فُتحت فيه آفاق من العمل السياسي والحزبي المنظم، وتطلع كثير من المتدينين إلى المشاركة في ذلك، وبدأت تلوح في الأفق مقدمات لذلك، ومعلوم أن المشاركة في هذه المجالات السياسية والبرلمانية -على حسب الواقع المعاصر المليء بالمفاسد- محل خلاف بين أهل العلم، وقد كتبت فيه أبحاث، وصنفت فيه تصانيف، فمن محرم بإطلاق، ومن مجوِّز بضوابط معينة، وهذا الجواز هو بالمعنى العام الذي يشمل الوجوب والاستحباب والإباحة المستوية الطرفين.
والمبيحون لهذه المشاركة بضوابط يحتجون على الإباحة بحجج نقلية، وموازنات بين المصالح والمفاسد، ونظرات مقاصدية، وقواعد كلية، ويستأنسون مع ذلك كله بنقولات عن أهل العلم.
والمحرمون يحتجون كذلك بحجج نقلية، وتغليب لجانب المفسدة، وقواعد كلية، ولن يعدموا نقولات عن بعض أهل العلم يرون أنها تؤيد مسلكهم.
وإن من أهم ما ينبغي ضبطه في هذا الباب -وهو معظم أدلة المبيحين وأقواها- الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لتحصيل أعظم المصالح، ودرء أعظم المفاسد؛ إذ الشريعة الإسلامية الغراء جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها؛ فمتى اجتمعت مصلحتان ولم يمكن جمعهما قدمت أعلاهما؛ ومتى اجتمعت مفسدتان ولم يمكن دفعهما ارتكبت أدناهما.
كما قال الشيخ ابن عثيمين:
وادفع خفيف الضررين بالأخف ... وخذ بعالي الفاضلين لا تَخَفْ
لذلك ركزت على المهم مما يتعلق بالجانب النظري التأصيلي لهذه القاعدة، مبتعدًا عن الإطالة بالتدليل عليها وذِكر فروعها وتطبيقاتها البعيدة عن قضيتنا، لأن القاعدة من حيث هي لا خلاف فيها في الجانب النظري، ولأن الانشغال بما لا يمس الواقع الحالي من تطبيقات ليس هو الأهم في ظل هذه الأحداث المتسارعة، ولأن المفترض أن المخاطب بهذا العلماء وطلبة العلم، وهم ليسوا بحاجة إلى دراسة تأصيلية في هذه القاعدة، ولن أقدم لهم في هذا الباب جديدًا عما في الكتب أو عما هو حاصل لديهم.
كما اهتمت الدراسة بالإكثار من النقولات عن العلماء الأعلام في تطبيق القاعدة بما يمس الحال الذي نتكلم عليه؛ للتعرف على طريقتهم في فهمها وتنزيلها، بما يفيد في تطبيقها على نظير كلامهم في واقعنا المعاصر؛ حيث يلحق النظير بنظيره، وتتسع المدارك بكثرة المنقول.
ولا يخلو الأمر من التعريج على بعض الحجج النقلية القوية؛ كالاستدلال بقصة سيدنا يوسف u في توليه الوزارة، والنجاشي ? في ولايته؛ لما لهما من تعلق قوي بقضية الموازنة بين المصالح والمفاسد.
ولم أذكر الأدلة العامة المتعلقة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقههما؛ لئلا يطول الكلام ويتشعب، ولأن الاستدلال بهذه العمومات لا يخلو من نظر ومناقشة وأخذ وردّ.
كما لم يخل البحث من ذِكر أقوى حجج المانعين، وأقوى ما نوقشت به، وإن كان ذلك قد أتى تبعًا؛ إذ المقصود بالأصالة التأصيل لهذا النظر المصلحي، ومعرفة مسالك العلماء في تنزيله على الفروع المتعلقة بما نحن فيه.
وإنما دعاني إلى الاقتصار على هذا القدر سرعةُ الأحداث في بلادنا مصر - حرسها الله - في أعقاب الثورة المباركة، وهو مقتضٍ لعدم الإغراق في التنظير، أو تكرار ما لا تقتضي الحاجة تكرارَه، والمصنفاتُ والفتاوي