فهرس الكتاب
في الباب كثيرة من الفريقين، وعامتها لا يخلو من ذكر أدلة الفريقين، وما نوقشت به، فمستقلٌّ ومستكثرٌ، لكن إبراز الجانب المصلحي، والنقولات والتطبيقات هو الذي تمس الحاجة إليه في هذه الآونة -فيما أرى-، لا سيما ولا يختلف العلماء في أن الأمر لا يخلو من مفاسد، ولكن الخلاف في مدى قياسها بالنسبة إلى المصالح بالقدر الذي يؤدي إلى ارتكاب تلك المفاسد، أو دفعها.
لذلك كان الحرص على نقل ما يمس الواقع ويعين على معرفة الواجب فيه، مع شيء يسير من التنظير، مما يعين على الوصول إلى المقصود. والله الموفق لا رب سواه.
الفصل الاول: الشريعة
لا يختلف العلماء في أن الشريعة الغراء جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وأن مطلوبَها ترجيحُ خيرِ الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفعُ شَرِّ الشرين إذا لم يمكن أن يندفعا جميعًا، فأعلا المصلحتين تحصَّل ولو فات أدناهما، وأعلا المفسدتين تدفع بارتكاب أدناهما، وهذا واضح يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولوا العلم.
فلا يجوز مثلًا تركُ واجب لمستحب إذا لم يمكن اجتماعهما؛ ولا تقديم واجبٍ موسعٍ على واجبٍ مضيقٍ، كما لا يجوز دفعُ الفساد القليل بارتكاب الفساد الكثير، ولا دفعُ أخفِّ الضررينِ بالوقوع في أعظَمِهما.
وقد قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، أي: أصلح وأحسن، وقال سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ، وقال جل وعلا: (واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فالواجب أحسن من المستحب، وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه وأحسن.
وفي قصة الخضر مع موسى u حين خرق السفينة، وقتل الغلام؛ دلالةٌ واضحة على هذا الأصل، وذلك أن الحال كانت دائرة بين خرقه السفينة، وهي مفسدة، وذهابِ السفينة كلها غصبًا من الملِك الذي أمامهم، وهي مفسدة أكبر، فارتكب الأخف منهما، فخرق السفينة، وكذلك في شأن الغلام؛ فالأمر بين قتله، وهو مفسدة، وإبقائه مع خشية إرهاقه لأبويه الطغيان والكفر وإفساده لدينهما، وهي مفسدة أعظم، فارتكب الأخف بقتل الغلام.
وهذا كله - كما أسلفتُ - قدْرٌ متفق عليه بين العلماء، وإنما الخلاف يحصل في تحقيق المناط، وتنزيل الكلام النظري على واقع الناس المختلف بحسب الزمان والمكان والعوائد والأحوال.
قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام ?:
"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيلُ المصالح ودرءُ المفاسد فعلنا ذلك؛ امتثالًا لأمر الله تعالى فيهما؛ لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وإن تعذر الدرءُ والتحصيلُ؛ فإن كانت المفسدة أعظمَ من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة ... وإن كانت المصلحة أعظمَ من المفسدة حصَّلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد".
وقال:"تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظرًا لهم من رب الأرباب، كما ذكرنا في هذا الكتاب، فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ، ولو خير بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن، ولو خير بين فلس ودرهم لاختار الدرهم، ولو خير بين درهم ودينار لاختار الدينار. لا يقدِّم الصالحَ على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت".
ثم المصالح المحضة عزيزة الوجود في الواقع، وما من مصلحة في الغالب إلا وفيها شوب مفسدة سابقة أو مقارنة أو لاحقة.
قال العز ?: "واعلم: أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود؛ فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لا تحصل إلا بنصَب مقترنٍ بها، أو سابق، أو لاحق، وأن السعي في تحصيل هذه الأشياء كلها شاق على معظم الخلق لا ينال إلا بكد وتعب، فإذا حصَلت اقترن بها من الآفات ما ينكدها وينغصها، فتحصيل هذه الأشياء شاق ... ".