فهرس الكتاب
وقال: "المصالح المحضة قليلة، وكذلك المفاسد المحضة، والأكثر منها اشتمل على المصالح والمفاسد، ويدل عليه قوله u: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ?: "المصلحة المحضة نادرة، فأكثر الحوادث فيها ما يسوءُ ويَسُرُّ، فيشتمل الفعل على ما ينفع ويُحَب ويراد ويُطلَب، وعلى ما يضر ويُبغَض ويكره ويُدفَع. وكذلك الآمر يأمر بتحصيل النافع وينهى عن تحصيل الضار، فيأمر بالصلاة المشتملة على المنفعة، وينهى عن الغصب المشتمل على المضرة ... فإن وجود الشيء قد يكون مرادًا ويكون عدمه مرادًا أيضًا؛ إذا كان في كل منهما منفعة للمريد، ويكون أيضًا وجوده أو عدمه مرادً مكروهًا بحيث يلتذ العبد ويتألم بوجوده وبعدمه ... وهذه حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جميع الأمور".
وليعلم: أنه إذا ثبت أن الحسنات لها منافع، وإن كانت واجبة كان في تركها مضار، وأن السيئات فيها مضار، وفي المكروه بعض حسنات؛ فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة.
فالأول أعني: التعارض بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما، فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح: كالواجب والمستحب، مثل تقديم قضاء الدين المطالَب به على صدقة التطوع، وكفرض العين وفرض الكفاية، مثل: تقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين؛ وتقديم نفقة الوالدين عليه، كما في الحديث الصحيح: {أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله} .
ومن هذا الباب تقديم المستحب على المستحب، كتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان، وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب، وإلا فقد يترجح الذكر بالفهم والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع.
والثاني: الذي هو التعارض بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما: كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا مَحْرَمٍ على بقائها بدار الحرب، كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} ، وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر؛ لدفع ما هو أعظم ضررًا منها، وهي جرائمها؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير. وكذلك في باب الجهاد، وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حرامًا؛ لكن متى احتيج إلى قتال قد يعمُّهم مثل: الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل؛ جاز ذلك، كما جاءت به السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفي أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة بقتل من لا يجوز قصد قتله. وكذلك مسألة (التترس) التي ذكرها الفقهاء؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها؛ ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك؛ وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت. وهذا باب واسع أيضًا.
وأما الثالث: الذي هو التعارض بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة: وذلك كأكل الميتة عند المخمصة؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن حصوله إلا بهذه السيئة، ومصلحتها راجحة، وعكسه الدواء الخبيث؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج؛ لقيام غيره مقامه؛ ولأن البرء لا يتيقن به، وكذلك شرب الخمر للدواء.
فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصيل ما هو أنفع من تركها إذا لم يحصل إلا بها.
وأن الحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية.