الصفحة 76 من 165

وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا، وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا؛ كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض؛ فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع؛ بخلاف الباب الأول؛ فقد قرر شيخ الإسلام أن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه، وإن اختلفت في أعيانه؛ بل ذلك ثابت في العقل، كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وهذا ثابت في سائر الأمور.

وقد بين العلماء رحمهم الله أن الأفعال ضربان:

أحدهما: ما خفيت عنا مصالحه ومفاسده؛ فلا نقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها، وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه.

والثاني: ما ظهرت لنا مصلحته، وله حالان:

أحدهما: ألا تعارض مصلحتَه مفسدةٌ ولا مصلحة أخرى؛ فالأولى تعجيله.

والثانية: أن تعارض مصلحتَه مصلحةٌ هي أرجح منه مع الخلو عن المفسدة، فيؤخَّر عنه رجاء إلى تحصيله، وإن عارضته مفسدة تساويه قُدِّمت مصلحة التعجيل؛ لما ذكرنا فيما خلا عن المعارض.

والضابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درئها، وإن التبس الحال احتطنا للمصالح بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ?: "والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة كالإيمان والجهاد؛ فإن الإيمان مصلحة محضة والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة. وفتنة الكفر أعظم فسادًا من القتل، كما قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} ، ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة؛ كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعن "الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون". وهذه الأمور لا يبيحها قط في حال من الأحوال ولا في شرعة من الشرائع. وتحريمُ الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما مفسدته راجحة، وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة؛ لأن مفسدة فوات النفس أعظم من مفسدة الاغتذاء به".

ويتفرع على هذه القاعدة فروعٌ كثيرة، كما سبق ذكر بعضها، ومنها ما قرره الإمام العز ابن عبد السلام حيث قال: "لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعًا لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة لا يعرفهم أهل الحديبية، وفي قتلهم معرة عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحةُ إيقاعَ الصلح على أن يُرَدَّ إلى الكفار مَن جاء منهم إلى المؤمنين، وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، مع أن الله أعلم أن في تأخير القتال مصلحة عظيمة، وهي إسلام جماعة من الكافرين، وكذلك قال: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي: في ملته التي هي أفضل رحمته، وكذلك قال: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: لو تفرق بين المؤمنين والكافرين وتميز بعضهم من بعض لعذبنا الذين كفروا بالقتل والسبي منهم عذابًا أليمًا".

هذا ومما يتعلق بما نحن فيه القاعدة التي ذكرها أكثر الأصوليين وهي: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) ، وقد يفهم منها معارضة لما قررناه، حيث يتبادر منها أن أي مفسدة عارضت مصلحة فإننا نترك المصلحة وإن كانت كبيرة درءًا للمفسدة وإن كانت يسيرة، وهذا ليس صوابًا؛ كما هو واضح من الأدلة الشرعية الكثيرة وتصرفات أهل العلم، التي تقتضي أن تحصيل المصلحة عظيمة مقدم على درء المفسدة صغيرة، وكثير من المصالح يحصل بفواتها مفاسد عظيمة جدًّا، كما يحصل بدرء بعض المفاسد مصالح عظيمة أيضًا، فالأمران متداخلان في أكثر الأحيان، كما يقال في نظير هذه المسألة: (الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى) ، والعكس كذلك.

والشارع يعتبر المفاسد والمصالح؛ فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة؛ ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما لم يبحه في غيره، حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق وإن أفضى ذلك إلى قتل النساء والصبيان، وتعمُّد ذلك يحرم. ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت