فهرس الكتاب
ومما يبين ذلك أيضًا: أن أهل العلم قسَّموا المصالح إلى ثلاثة أقسام:
ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
فالضرورية: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي ما يحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ومعنى ذلك أنها متى انخرمت آل حال الأمة إلى فساد عظيم، فلم تجر مصالحهم في الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.
والحاجية: مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين- على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات.
وأما التحسينات: فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، وهي جارية فيما جرى فيه الأوليان.
فيرجع الباب إلى الترجيح، ويبقى نظر المجتهد في أرجحهما بمعنى أعظمهما نفعًا وصلاحًا، وأقربهما إلى تكميل الدين وإصلاح أحوال المسلمين.
فإذا كانت المصلحة المرجوحة من قبيل التحسينات أُهدِرتْ في سبيل دفع السيئة العظيمة؛ لأنه ليس في فوات تلك المصلحة مفسدة تربو على أختها الأخرى التي زاحمتها.
وأما إذا كان التعارض بين مصلحة من المصالح الضرورية ومفسدة صغرى، فإن في فوات تلك المصلحة مفسدة أشد ضررًا من المفسدة الصغرى، فلا يقدم درء تلك المفسدة على جلب المصلحة الضرورية الكبرى؛ إذ لا ريب أن تحصيل المصالح الضرورية أهمُّ من الوقوع في بعض ما يصح إطلاق اسم المفسدة عليه من صغائر الأمور. وهذا واضح.
فلابد إذًا من معرفة أنواع المصالح الشرعية ومراتبها قبل كل اجتهاد أو تقدير مصلحي.
فأنواع المصالح منها ما هو دنيوي وما هو أخروي، ومنها ما هو حسي وما هو معنوي، ومنها ما هو فردي وما هو جماعي، ومنها ما هوخلقي وما هو بدني وما هو مالي، ومنها ما هو حاليٌّ عاجل وما هو مآليٌّ آجِل، ومنها ما هو مصلحة مقصودة لذاتها وما هو وسيلة يراد بها غيرها ...
ومراتب المصالح: منها ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو تحسيني، ومنها ما هو أصلي قائم بذاته وما هو مكَمِّل تابع لغيره، ومنها ما هو واجب وما هو مندوب وما هو مباح، ومنها ما هو قليل وما هو كثير، ومنها القاصر الذي ينحصر نفعه في صاحبه، ومنها المتعدي الذي يمتد نفعه إلى غيره.
فالمجتهد الذي يعرف ويستحضر أنواعًا من المصالح، ويغيب عنه نوع أو أنواع منها؛ سيقع لا محالة في الإهمال والإهدار لما غاب عنه أو جَهِله.
والذي يعرف أنواعَ المصالح ويستحضرها كلَّها، ولكنه لا يَقْدُر لها أقدارَها ولا يقيم لها أوزانها؛ سيقع ولا بد في الإخلال بمراتبها ومقاماتها؛ فيؤخِّر ما حقه التقديم، ويقدِّم ما حقه التأخير، ويعطي بعضها أكثر مما يستحقه، ويبخس بعضها ما يستحقه.
ومن أنواع المصالح التي يقع إغفالُها أو بخسُها عند كثير من المهتمين بالمصالح والمدافعين عنها؛ المصالحُ المعنوية والخلقية، حتى لكأنها عند بعضهم لا تدخل في مسمى المصلحة.
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية ? على هذا الخلل في مواطن عديدةٍ من كتبه، كما في قوله: "والمقصود هنا: أن يعرف مراتب المصالح والمفاسد، وما يحبه الله ورسوله وما لا يبغضه مما أمر الله به ورسوله كان لما يتضمنه من تحصيل المصالح التي يحبها ويرضاها ودفع المفاسد التي يبغضها ويسخطها، وما نهي عنه كان لتضمنه ما يبغضه ويسخطه ومنعه مما يحبه ويرضاه.