الصفحة 78 من 165

وكثير من الناس يَقصُر نظرُه عن معرفة ما يحبه الله ورسولُه من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطًا} ، وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} .

فتجد كثيرًا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن، وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من العلم ... ".

وقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ?: «الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما: مقاصد، والثاني: وسائل. وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما: مقاصد، والثاني: وسائل.

وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل. ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد.

فمن وفَّقه الله للوقوف على ترتيب المصالح؛ عرف فاضلها من مفضولها، ومُقَدَّمَها من مؤخَّرِها.

وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح، فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع.

وكذلك من وفّقه الله لمعرفة رتب المفاسد، فإنه يدرأ أعظمها بأخفها عند تزاحمها.

وقد يختلف العلماء في بعض رتب المفاسد؛ فيختلفون فيما يدرأ منها عند تعذر دفع جميعها، والشريعة طافحة بما ذكرناه ... ".

والحاصل: أن تقديم المصلحة الأرجح مع الوقوع في المفسدة الأدنى، نظير دفع المفسدة الأعظم المترتبة بارتكاب المفسدة الأدني.

فعلى المجتهد أن ينظر إلى ما يجلبه فوات المصالح من مفاسد لازمة لذلك، ويوازن المفاسد المتعارضة مع تلك المصالح، فإن لم يترتب عليها شيء من المفاسد فإنها لا ترجح على درء المفسدة وإن صغرت، وإن ترتّب فبحسب درجة تلك المصالح، وهل هي ضرورية أم حاجية أم تحسينيّة، على ما بينها من تفاوت أيضًا.

ومما ينبغي التنبه له في هذا الباب: أن ميزان تفاوت المصالح في الأهمية يتناول تصنيفها من جوانب ثلاثة:

الأول: النظر إلى قيمتها من حيث ذاتها، وترتيبها في الأهمية على حسب ذلك.

الثاني: النظر إليها من حيث مقدار شمولها.

الثالث: النظر إليها من حيث التأكد من نتائجها أو عدمه.

فإذا تعارضت مصلحتان في مناط واحد بحيث لم يمكن تحصيل إحداهما إلا بتفويت الأخرى؛ فإنه ينظر فيهما من هذه الجهات الثلاث على ترتيبها في الذكر.

فأما تفاوت المصالح من حيث ذاتها فإن كليات المصالح المعتبرة شرعًا متدرجة حسب الأهمية في خمس مراتب هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهي على هذا الترتيب عند أكثر العلماء.

فما به حفظ الدين مقدم على ما به حفظ النفس عند التعارض، وما به حفظ النفس مقدم على ما به حفظ العقل عند التعارض، وهكذا ...

ثم رعاية هذه الكليات الخمس يكون بوسائل متدرجة حسب الأهمية في ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. وينضم إلى كل مرتبة من هذه المراتب الثلاث ما هو مكمل لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت