الصفحة 79 من 165

فمتى تعارضت مصلحتان في رتبة واحدة؛ كما لو كانتا ضروريتين، أو حاجيتين، أو تحسينيتين؛ نُظِر إليهما من حيث المتعلَّق، فيقدم ما تعلق بحفظ الدين من الضروريات على ما تعلق بحفظ النفس منها، تبعًا لتقديم حفظ الدين على حفظ النفس، وهكذا ...

ثم متى اتحدت الرتبة واتحد المتعلَّق فإنه ينظر إليهما من حيث الشمول؛ إذ لا يصح تقديم ما تتحقق به مصلحة طائفة يسيرة على ما تتحقق به مصلحة الجماهير من الناس، ومن المقررات في هذا الباب قولهم: (يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام) ، فالمصلحة العامة إذًا مقدمة على المصلحة الخاصة.

ومحور الشمول هذا كما يتمثل باعتبار عدد المنتفعين بالمصلحة؛ فهو متمثل أيضًا باعتبار كثرة المجالات والميادين التي يتناولها النفع؛ فالمصلحة التي تحقق نفعًا في المجال الديني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي وغيرها أرجح مما تقصر عن ذلك.

ثم لا بد أيضًا من النظر إلى الجانب الثالث من المصلحة، وهو مدى توقع حصولها في الخارج، فربما كانت نتيجة الفعل مؤكدة أو مظنونة على اختلاف درجات الظن، أو مشكوكًا فيها، أو متوهمة.

والعبرة في ترجيح مصلحة على أخرى بالمقطوعة ثم المظنونة، وسيأتي لذلك مزيد بيان في الفصل الثاني - إن شاء الله تعالى -.

قال الغزالي: "المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضًا عن رتبة الحاجات، ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها ... لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح".

وما قيل في المصلحة فوزانه مقول في المفسدة، فكل ما كان أفدح ضررًا وأكثر فسادًا فالاهتمام بدفعه أولى.

الفصل الثاني:

تطبيق القاعدة على مصطلحي الديموقراطية والدولة المدنية

إن قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد هي التي تضبط فقه هذه المرحلة، وهي مفتاح البصيرة والرشد في القول والعمل في واقعنا المليء بالإشكالات والاضطرابات والمتناقضات، وهي السبيل إلى فتح باب التواصل مع مختلف فصائل العمل الإسلامي على تفاوت مناهجها في العمل وأساليبها في التغيير، وهي المحور الذي يدور حوله فقه الاجتماع، وإعذار المخالف، وتأويل تصرفاته، وحملها على أحسن المحامل، بما يدفع التمحور حول الذات والتهارج مع الآخرين، ويمهد الطريق إلى جماعة المسلمين بمفهومها العام والشامل.

هذا ومما يتكلم فيه الناس كثيرًا الآن وقبل الآن: مصطلحا (الديموقراطية) و (الدولة المدنية) .

فمن داعٍ إليهما، ومن منكرٍ لهما، ومن مفصِّل فيهما، ومن متوقف.

وسأتكلم في هذا الفصل على كل واحدة منهما، وذلك في مطلبين:

المطلب الأول: مصطلح (الديموقراطية) من خلال قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

المطلب الثاني: مصطلح (الدولة المدنية) من خلال قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت