الصفحة 97 من 165

وقال الماوردي: فان كان المولي ظالمًا فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قِبَله على قولين: أحدهما: جوازها إذا عَمِل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف ولي من قِبَل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره.

الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم.

فأجاب مَن ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قِبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحًا، وإنما الطاغي فرعون موسى.

الثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه.

قال الماوردي: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه؛ كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم؛ لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد.

والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه؛ كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق.

والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله وللاجتهاد فيه مدخل؛ كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذًا للحكم بين متراضيين، وتوسطًا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز".

وقال النسفي في تفسير هذه الآية: "وصف نفسه بالأمانة والكفاية، وهما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلبه ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا ...

قالوا: وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسانُ عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به.

والصواب كان الملك يصدر عن رأيه ولا يتعرض عليه في كل ما رأى، وكان في حكم التابع له".

وما زال قضاة الإسلام يتولون القضاء من جهة من ليس بصالح، ولولا ذلك لبطلت أحكام الشرع، فهم مثابون على ذلك إذا عدلوا". ولكن بحيث لا ينحى شرع الله.

وقال شيخ الإسلام: "وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصي، لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله، وأقلُّ ذلك أن يكون منكِرًا لظلمهم ماقتًا لهم شانئًا ما هم فيه بحسب الإمكان، كما في الحديث: {من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} وقال تعالى: {وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأت فرعون ... } الآية.

وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار، وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن في موضعين:

أحدهما: أن يكون مكرهًا عليها. والثاني: أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه، فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة، وفي الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل باحتمال أدناهما وهو الأمر الذي أكره عليه قال تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وقال تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} ثم قال: {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وقال تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت