الصفحة 96 من 165

ومن الأدلة القوية في هذا الباب، أعني: من يحتج بتولي الولايات العامة: مشاركةُ سيدنا يوسف u في الحكم، حيث تولى الوزارة في مجتمع مشرك لا يقوم الحكم فيه على قواعد الدين، بل كانت مشاركته بطلب منه لما رأى من نفسه الأهلية الكاملة لهذا مع عدم وجود من يقوم به، فقال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) ، فهو لم يطلب الملكَ الكاملَ، وإنما طلب وزارة الخزائن أو المالية نظرًا لما يرجوه من دفع شر القحط الذي سيرهق العباد لسنوات عدة، وقد كان الحكم في البلاد على دين الملك ونظامه وقانونه حتى بعد تولي يوسف u ومرور زمان على ولايته، كما أشار إليه قوله تعالى: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله (، فنظام الملك هو المعمول به في البلاد، وقد كان في قانونه ظُلمٌ، بدليل سجن يوسف u بعد ظهور براءته، كما أنه لا بد أن للملك نظامًا معيَّنًا في التصرف في الأموال التي تخصُّه وتخصُّ حاشيتَه بل وأموال الرعية، وذلك ليس جاريًا على دين يوسف u حتى فيما يتعلق بولايته، والمجتمع كان مشركًا واستمر على شركه بعد يوسف u بدليل ما ذكر الله تعالى من قول مؤمن آل فرعون:(ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا) ، لكن يوسف u فَعَل الممكنَ من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا داخل في قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} .

ومع أن نبيَّ اللهِ يوسفَ u كان في قوم كفار غير أنه حرص على إصلاح أحوال العباد؛ ليحقق بذلك مصلحةَ تبليغِ دعوة التوحيد، فكيف بتولي منصب عام بين مسلمين وفي مجتمع مسلم وإن كان فيه خصال وأمور جاهلية.

فدل ذلك على مشروعية تولي الوزارات والولايات، ودخول المجالس النيابية؛ حيث أدى ذلك إلى حصول مصالح عظيمة للمسلمين، وهيأ السبيل لإقامة دولة الإسلام المحض، وتلك المصالح أرجحُ من المفاسد المترتبة على الدخول؛ من الولاية تحت إمرة كافر، وعدم إمكان تحقيق العدل المحض، وتغييرِ بعض المنكرات.

وقد ردّ العلماء الاستدلال بهذا الدليل وسنتكلم في هذ الامر بالتفصيل بعد ذلك: بأن سيدنا يوسفَ أصبح بولايته على خزائن الأرض هو المتصرف في شئون الحكم، لا يحد إرادتَه في ذلك حاكمٌ أو قانونٌ, لاسيما وقد تسلم مقاليد الحكم، بدليل أن إخوانه خاطبوه بلقب العزيز: "قالوا يا أيها العزيز ... ".

ويجاب ايضا عن ذلك: بأن شرعَنا وشرعَ يوسف والأنبياءِ جميعًا متفق في تقرير حاكمية الله تعالى، ويوسف قد قرّر ذلك في مخاطبته لصاحبي السجن بقوله: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) . ودين الأنبياء كلهم في الأصول واحد، على التوحيد ومعرفة الله وصفاته؛ فإن قواعد العقائد كان الناس مكلفين بها إجماعًا، ولذلك كان موتاهم في النار يعذَّبون على كفرهم، ولولا التكليف ما كانوا في النار، فالخلاف في الفروع خاصة، وعموم إطلاق العلماء مخصوصٌ بالإجماع. وقد نبه على هذا القرافي، والزركشي، والمرداوي، وغيرهم.

وقد قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: "قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم":

"كيف استجاز أن يقبلها بتولية كافر، وهو مؤمن نبي؟

قلنا: لم يكن سؤالَ ولاية؛ إنما كان سؤال تخلٍّ وتركٍ لينتقل إليه؛ فإن الله لو شاء لمكنه منها بالقتل والموت والغلبة والظهور والسلطان والقهر، لكن الله أجرى سنته على ما ذكر في الأنبياء والأمم، فبعضهم عاملهم الأنبياء بالقهر والسلطان والاستعلاء، وبعضهم عاملهم الأنبياء بالسياسة والابتلاء، يدل على ذلك قوله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) .

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية:

"قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك.

وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت