الصفحة 95 من 165

حصول التعارض بين واجبين، أو محرمين، وحينئذٍ فالواجب الموازنة بينهما وارتكاب أخف الضررين، ولا يكون التارك للواجب أو الفاعل للمحظور لدفع المفسدة الأعظم تاركًا للمطلوب على الحقيقة.

نعم؛ تحكيم الشرع والدخول في الإسلام كافة هو الواجب، لكن ما قررناه ليس منافيًا لذلك، فترك شيء من الواجب لعدم القدرة عليه علمًا أو عملًا ليس إسقاطًا لوجوبه في نفس الأمر، وقد يؤخر العالم البيان والبلاغ والإنكار إلى وقت التمكن، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وكلامنا حال انتفاء هذا الشرط.

ومدار ذلك كله بعد ما ذكرناه على النية، والحكمُ في هذه الأمور يختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمَن قصدُه رفعُ الظلم أو تخفيفُه، وإقامةُ العدل؛ فهو محسن، (ما على المحسنين من سبيل) ، ومن قصدُه السلطة والمال، وفَعل المحرمات أوتَرك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح، بل للهوى أو كيفما اتفق؛ فلا يحل له ذلك، (والله يعلم المفسد من المصلح) .

قال شيخ الإسلام: "ثم السلطان يؤاخَذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن، لكن أقول هنا: إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته، ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدًا وقدرة؛ جازت له الولاية، وربما وجبت، وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو وقسم الفيء وإقامة الحدود وأمن السبيل؛ كان فعلها واجبًا، فإذا كان ذلك مستلزمًا لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك؛ صار هذا من باب (ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به) ، فيكون واجبًا أو مستحبًا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب؛ بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم، حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره؛ كان ذلك حسنًا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدًا.

وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالًا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرةَ الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم، مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن؛ كان محسنًا، ولو توسط إعانةً للظالم كان مسيئًا. وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل أما النية فبقصده السلطان والمال، وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح. ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبًا تارة واستحبابًا أخرى".

وقال العلامة الشاطبي ?: "وذلك أن القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر؛ كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته؛ فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا، ولكن الحق يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته، كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل، وهى إما مطلوب بالأصل، وإما خادم للمطلوب بالأصل؛ لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج، أو تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن هذه الأمة؛ فلا بد للإنسان من ذلك، لكن مع الكف عما يستطاع الكفُّ عنه، وما سواه فمعفو عنه؛ لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل".

ومما يلتحق بذلك: الدعوة إلى تكوين الأحزاب السياسية التي تدعو إلى تنحية الشريعة؛ فإنها محرمة وإعانة على الإثم والعدوان، حتى لو كان واقع المسلمين فيه كثير من المخالفات؛ فإن هذا لا يعني جواز المطالبة بمنحها صفة قانونية، لكن إذا كان النظام السياسي قائمًا أصلًا على الأحزاب، وكانت الدعوة الإسلامية مضطرة إلى خوض العمل السياسي من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أشدهما، ولا يمكنها ذلك إلا بالدخول في نظام الأحزاب، فالحكم حينئذ يتوقف على النظر في تعارض المصالح والمفاسد، فيغلب الأرجح منهما على ما سبق، وذلك يختلف بحسب البلاد، والأحوال.

ولابد من الحرص على جمع الكلمة والتعاون على البر والتقوى والتنسيق بين فصائل العمل الإسلامي؛ فإن هذه الأحزاب قد تؤدي إلى زيادة تفرق الدعاة وانقسامهم إلى أحزاب كثيرة، كلٌّ يريد تحقيق مكاسبه الحزبية الخاصة، ولنا في الواقع عبرة، فهل ستندمج الأحزاب الإسلامية في حزب واحد، أم ستتفرق وتتنازع وتفشل بسبب تفرقها ويؤدي ذلك إلى تقدم غيرها عليها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت