الصفحة 94 من 165

قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن شاء الله. والحاصل: أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال، فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق".

وهذه الموازنات مضلة أفهام ومزلة أقدام، لا يوفق إلى الصواب فيها إلا ذوو الرسوخ، والمشكلة هنا أن بعض الناس قد ينظر إلى أحد الجانبين فيرجح من خلال نظرته، وقد يزعم أن هذا مقتضى الورع.

قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم:

"فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة؛ فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل؛ فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرًا، فأما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل بحيث تقدِّم عند التزاحم أعرفَ المعروفين فتدعو إليه، وتنكر أنكر المنكرين، وترجح أقوى الدليلين؛ فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين".

وقال: "فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وتعارضها؛ يحتاج إلى الفرقان".

وقال:"وتمام الورع: أن يعلم الإنسان خيرَ الخيرين وشرَّ الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعًا، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع".

إن هناك عددًا من القضايا التي تتشكل في الواقع تكون متعددة الجوانب والوجوه، متداخلة المصالح والمفاسد، مركبة لا ينفك بعضها عن بعض، تنطبق عليها في آنٍ واحد أحكام وأدلة وقواعد شرعية متعددة.

فقد يُنظر إليها من جانب فيقال: هي حرام، ويُنظر إلى جانبها الآخر فيقال: هي جائزة، ويُنظر إلى بعض آثارها ونتائجها فيقال: هي مندوبة أو واجبة أو فرض من فروض الكفاية ... وهكذا؛ كلما قلَّبتها من وجه ظهر لك حكم مختلف.

وهذا النوع من القضايا يوجد أكثر ما يوجد في الشئون الاجتماعية العامة، أو في التصرفات الفردية ذات الانعكاسات العامة المتعددة.

ومن هذا قضية الدخول في الولايات العامة وولوج الأبواب السياسية، فلو قلبتها من جوانبها ومحتوياتها كافة؛ من أفكار ونظريات، ومقاصد وغايات، وأسباب ومقدمات، وأفعال وتصرفات، وأموال ونفقات، وخسائر ومكتسبات، وآثار ومآلات ... وغير ذلك؛ فستراها قضية مركبة معقدة، ففي مثل هذه الحال لا ينبغي أن يؤخذ منها جزء أو أجزاء، فتُنَزَّل عليه آية أو حديث أو قاعدة أو قياس، ثم يقال: يحل أو يحرم، أو يجوز أو يجب؛ بل لا بد من الفحص التفصيلي والإجمالي، ولا بد من الإعمال المندمج لأدلة وقواعد شرعية عديدة، ومنها ميزان المصالح والمفاسد والأرباح والخسائر.

ومن تأمل أكثر المصالح العامة في بلاد الإسلام بله غيرها وجدها لا تنفك عما لا يحيط به الحصر من المفاسد، ولا سبيل إلى تحصيل كثير من الضروريات فضلًا عن الحاجيات والتحسينيات إلا بملابسة لكثير من المفاسد، وإن كان الواجب الاقتصار على محل الضرورة والإلجاء وعدم الاسترسال في ملابسة المفاسد مع إمكان التحرز والتحفظ.

ومن المقرر: (أنه لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة) ، فإذا كانت هناك واجبات عظمى في الولاية العامة ومصالح كلية لا تتحقق إلا بملابسة بعض المفاسد التي هي دونها، وعُجِز في أثناء ذلك عن بعض الواجبات التي هي دونها، فلا لوم على القائم بها إن وقع في ذلك ما لم يخالف اصل الدين وعقائد المسلمين؛ فإن الله قال: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وتعذرُ سلوك الطريقة الشرعية المحضة ليس مسوغًا لترك الشر مستفحلًا بحيث يأتي على كل خير ممكن، بل على المصلح الاجتهادُ وتقديرُ الأمر و وزنه، وقد يترتب على ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت