فهرس الكتاب
ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح ... وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض.
وإنما الإشكال إذا لم يعرف خير الخيرين وشر الشرين أو يعرف ترجيح المصلحة على المفسدة أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة.
ومِن المصالح والمفاسد ما لا يعرف إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم يعرف بهما دق المصالح والمفاسد وجلهما، وأرجحهما من مرجوحهما، وتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته، وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه الأخرق المفضول ولكنه قليل".
فالمتضلع من نصوص الشرع الراسخ في فهم مقاصده هو المؤهل لإصابة الحق في تلك الموازنات، مع ملاحظة مآلات الأمور؛ فإن ذلك من أعظم المهمات، كما قال الشاطبي: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تُدْرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب جارٍ على مقاصد الشريعة".
ثم أخذ يستدل على صحة ذلك بأمور: منها: أن التكاليف مشروعة لمصالح العباد، ومنها أن الاستقراء للشريعة وأدلتها يدل على اعتبار المآلات، وذكر أمثلة تفصيلية كامتناعه عن قتل المنافقين مع قدرته على ذلك خشية أن يظن الناس أنه يقتل أصحابه، فينفروا من الدخول في الإسلام، وكامتناعه عن رد البيت إلى قواعد إبراهيم، وكنهيه أصحابَه عن زجر الأعرابي حال تبوله في المسجد، وكنهيه عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع ...
فقد يكون العمل في الأصل مشروعًا، لكن ينهى عنه لما يئول إليه من المفسدة، أو ممنوعًا لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع فيها بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية، لكن مآله غير مشروع، وكذلك الأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج؛ فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يئول إليه من الرفق المشروع، ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها.
ثم نقل الشاطبي عن ابن العربي قوله حين أخذ في تقرير هذه المسألة:
"اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها".
وقال الشاطبي: "ومن هذا الأصل تستمد قاعدة أخرى: وهى أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعًا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج؛ كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيرًا ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع، لما يئول إليه التحرز من المفسدة المُرْبِيةِ على توقع مفسدة التعرض، ولو اعتبر مثل هذا في زماننا لأدى إلى إبطال أصله، وذلك غير صحيح.
وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها، وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى.
فلا يُخرِج هذا العارضُ تلك الأمورَ عن أصولها؛ لأنها أصول الدين وقواعد المصالح، وهو المفهوم من مقاصد الشارع، فيجب فَهمُها حق الفهم؛ فإنها مثار اختلاف وتنازع، وما يُنقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك