فهرس الكتاب
وعلى هذا الأصل يُبنى جوازُ العدولِ أحيانًا عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز تركُ بعضِ واجبات الشريعة وارتكابُ بعضِ محظوراتها للضرورة، وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم، أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل".
فقرر الشيخ ? أن العجز عن فعل المصلحة العظيمة إلا بمفسدة أقل يبيح فعلها، فلا تبقى سيئة؛ وأن ذلك مندرج فيما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فيصير واجبًا أو مستحبًا، وبيّن أن كثيرًا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك، بحيث يصير المحظور مندرجًا في المحبوب، وقرر جواز العدول أحيانًا عن بعض سنة الخلفاء وجواز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة؛ وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض ذلك، أو وقعت الضرورة إلى ارتكاب بعض ما نهوا عنه؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل.
وقال الشاطبي: "فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة؛ فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى؛ فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة، وإذا اجتمع فيه الأمران على تساوٍ، فلا يقال فيه إنه مصلحة أو مفسدة على ما جرت به العادات في مثله، فإن خرج عن مقتضى العادات، فله نسبة أخرى وقسمة غير هذه القسمة ... فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد؛ فهي المقصودة شرعًا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإنْ تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه, وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعًا، ولأجله وقع النهي، ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي، فيمثلها حسبما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل؛ بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.
فالحاصل من ذلك: أن المصالح المعتبرة شرعًا أو المفاسد المعتبرة شرعًا هي خالصة غير مشوبة بشيء من المفاسد، لا قليلًا ولا كثيرًا، وإن توهم أنها مشوبة فليست في الحقيقة الشرعية كذلك؛ لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة، وهذا المقدار هو الذي قيل إنه غير مقصود للشارع في شرعية الأحكام".
ومن المعلوم أن هذا الباب مختلط فيه الخير بالشر، ولا ينفك ملابسُه عن الوقوع في كثير من المفاسد، لكن متى كانت المصلحة المرجوة أعلى فلا حرج عليه في ملابسة تلك المفاسد، يقول شيخ الإسلام:
"فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك؛ فلا بد أن يفعل شيئًا من المحظورات، فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين؛ فإن كان المأمور أعظم أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة؛ وإن كان ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك؛ فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات؛ فهذا هذا. وتفصيل ذلك يطول".
وإن النظر في المصالح والمفاسد المتعارضة بما يضمن دقة الترجيح بينها وشرعيته يتطلب الجهد العقلي المتبصر بهدي الشرع المطهر، وبمقومات الواقع الفعلي الذي هو حلبة تناصي تلك المصالح والمفاسد، ذلك أن التزاحم بين المصالح والمفاسد لا يتعلق بالنصوص والأحكام بذاتها بقدر ما يتعلق بالتطبيق وتحقيق المناط؛ ومن ثَم فإن استقراء سياسة التشريع من جملة مصادر الشريعة ومواردها هو المرجع في هذا الباب، قال الإمام العز بن عبد السلام: "ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ حصل له من مجموع ذلك اعتقادٌ أو عرفانٌ بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالُها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانُها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإنَّ فهْمَ نفس الشرع يوجب ذلك.
ومثل ذلك: أن من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يُؤْثِرُه ويكرهُه في كل وِرد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله؛ فإنه يعرف بمجموع ما عهِده من طريقته وألِفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة.