فهرس الكتاب
حسن الظنون، وإنما اعتمد عليها لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها؛ فإن التجار يسافرون على ظن أنهم يستعملون بما به يرتفقون، والأكارون يحرثون ويزرعون بناء على أنهم مستغلون، والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يستأجرون، والملوك يجندون الأجناد ويحصّنون البلاد بناء على أنهم بذلك ينتصرون، وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويسلمون، والشفعاء يشفعون على ظن أنهم يشفعون، والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون، وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرُّف الأحكام يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون، والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون.
ومعظم هذه الظنون صادق موافق غير مخالف ولا كاذب، فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع خوفًا من ندور وكذب الظنون، ولا يفعل ذلك إلا الجاهلون".
وقال الشاطبي: "والدليل على ذلك: أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها؛ كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج، مع إمكان الكذب والوهم والغلط، وإباحة القصر في المسافة المحدودة، مع إمكان عدم المشقة كالملك المترفه، ومنعه في الحضر بالنسبة إلى ذوي الصنائع الشاقة، وكذلك إعمال الخبر الواحد والأقيسة الجزئية في التكاليف، مع إمكان إخلافها والخطأ فيها من وجوه، لكن ذلك نادر؛ فلم يعتبر، واعتبرت المصلحة الغالبة".
ومن الذرائع ما إفضاؤه مظنون ظنًّا غيرَ غالب، وهو ما تكون وسيلته مفضية إلى حصوله إفضاءً كثيرًا لا غالبًا ولا نادرًا؛ فهو موضع نظر والتباس، كما قال الشاطبي، والخلاف فيه كبير بين الأئمة.
ومنها ما إفضاؤه نادر، فلا عبرة به.
إذا عُلم ذلك؛ فإن ولوج هذه الأعمال السياسية تلزم منه كثير من المفاسد، لكن متى تعين ذلك لدفع مفاسد أعظم أو جلب مصالح أكبر شُرِع دخولُها؛ إذ الفعل المحرم قد يصير واجبًا إذا كانت المصلحة التي يفضي إليها أعظم من مفسدة التحريم؛ لكون مصلحة أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم، والشارع يعتبر المفاسد والمصالح فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة.
قال أبو حامد الغزالي: "وأهون الضررين يصير واجبًا وطاعة بالإضافة إلى أعظمهما، كما يصير شرب الخمر واجبًا في حق من غص بلقمة، وتناول طعام الغير واجبًا على المضطر في المخمصة".
وقال الآمدي: "ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبًا نظرًا إلى رفع أعلاهما؛ كإيجاب شرب الخمر على من غص بلقمة ونحوه".
وقال القرافي: "وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر؛ كأكل الميتة لدفع ضرر التلف، وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك، وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقًا لدفع الضرر، أما إذا أمكن تحصيل الواجب أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات لا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم".
وقال شيخ الإسلام: "إذا كان لا يتأتَّى له فِعْلُ الحسنةِ الرَّاجحةِ إلا بسيئة دونَها في العقاب؛ فلها صورتانِ:
إحداهما: إذا لم يمكن إلا ذلك؛ فهنا لا يبقى سيئة؛ فإن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فهو واجب أو مستحب.
ثم إن كان مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورًا؛ كأكل الميتة للمضطر، ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات؛ كلبس الحرير في البرد ونحو ذلك.
وهذا باب عظيم؛ فإن كثيرًا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك، بحيث يصير المحظور مندرجًا في المحبوب، أو يصير مباحًا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجابًا أو استحبابًا ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة؛ كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال ^: {قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال} .