الصفحة 90 من 165

ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما - يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان. وقال النبي ^: {إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} . رواه مسلم ...

فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربةً يُتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال كثير من الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها" ( [1] ) .

والكلام في هذا الفصل على العمل السياسي بالمعنى الذي يشمل تولي الإمامة العظمى في بلد، فما دونها من الوزارات، ودخول المجالس النيابية التشريعية، وما يلتحق بذلك من الترشيح والانتخاب، فضلًا عما دون ذلك من تكوين جماعات الضغط (اللوبي) ، والأحزاب والهيئات السياسية، ونحوذلك، مما يخضع جميعه للنظر المصلحي الذي نؤصل له ونطبقه.

وليس الكلام في واقعنا المعاصر على تولي الولاية من حيث هي بشروطها المعتبرة؛ لأن ذلك لا وجود له على أرض الواقع المليء بالمفاسد والمخالفات، وإنما الكلام والنزاع في تولي الولايات في ظل هذا الواقع؛ هل يسوغ توليها في ظل هذه الأنظمة الفاسدة المحكمة غيرَ شريعة الله تعالى لمن يُصلح ما أمكنه من مفاسد، ويرفع ما أمكنه من مظالم، ويحقق ما أمكنه من عدل، ويأمر بما أمكنه من معروف، ويغير ما أمكنه من منكرات، أم أن ذلك محرم وإقرار بحكم الطاغوت، وتحكيم وتحاكم لغير الله؟

المسألة خلافية بين أهل العلم، وإن كان الجميع متفقًا على التسليم بما فيها من مفاسد كثيرة، وأنه لا يسوغ لكل أحد أن يتولى هذه الولايات كيفما اتفق، وإنما الخلاف فيمن صلحت نيته، وصلح لها، أو في إعانة من يُرجى من توليه الولايات أن يُصلح مع التمسك بالقواعد العامة للشريعة الغراء.

ولن أخوض كما وعدت في المقدمة في تفصيل الأدلة من الطرفين، وإنما البحث في تنزيل قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد على تولي هذه الولايات العامة في الواقع المعاصر المليء بالمفاسد، فأقول:

اعلم: أن مناهج التغيير أنها اجتهادية تدور في فلك السياسة الشرعية، وتُبنى على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وبناءً على ذلك؛ فإن اختيار وسيلة دون وسيلة، أو تقديم وسيلة على أخرى من موارد الاجتهاد التي قد تختلف فيه الفتوى بحسب الزمان والمكان والأحوال والعوائد، وأكثر المصالح إضافية لاحقيقية، كما قال العلامة الشاطبي ?: "المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونِها إضافيةً أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فكثير من المنافع تكون ضررًا على قوم لا منافع، أو تكون ضررًا في وقت أو حال، ولا تكون ضررًا في آخر، وهذا كله بيِّن في كون المصالح والمفاسد مشروعة أو ممنوعة لإقامة هذه الحياة، لا لنيل الشهوات، ولو كانت موضوعة لذلك لم يحصل ضرر مع متابعة الأهواء، ولكن ذلك لا يكون، فدل على أن المصالح والمفاسد لا تتبع الأهواء".

فالدخول في هذه الأعمال ابتداءً خاضعٌ لهذا النظر، وكذلك الاستمرار فيه مرتبط بمدى النجاح الواقع أو المتوقع في تحقيق المصالح المرجوة أو دفع المفاسد، وهذا مما تختلف فيه أنظار المجتهدين، بل قد يختلف فيه نظر الشخص الواحد من وقت إلى آخر، بل الذي ينبغي في هذا الواقع المتغير سريعًا لا سيما بعد الثورات العظيمة الحاصلة في عدد من البلاد العربية، وما انفتحت بها من أبواب كثيرة، وأتيحت من فرص، وأزيحت من أنظمة ظالمة غاشمة؛ ينبغي أن يتمسك المرء باجتهاداته القديمة في ظل هذه المتغيرات، لا سيما إن كان مبنى رأيه على الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن الفتيا المبنية على ذلك تتغير بحسب الأحوال والظروف.

ولا بد أن يُعلم أن الذرائع والوسائل المتعلق بها النظر المآلي منها ما يفضي إلى المطلوب قطعًا، وهذا النوع متفق على مراعاته، ومنها ما كان إفضاؤه مظنونًا ظنًّا غالبًا، بحيث لا يتخلف ذلك إلا نادرًا، وهذا يلحق في الحكم بالقطعي وترتب عليه أحكامه على الصحيح؛ لأن الظن في أبواب العمليات يجرى مجرى العلم، ولكثرة النصوص في سد الذرائع التي يدخلها هذا القسم، ومما يفيد في تقرير صحة البناء على الظن الغالب في اكتناه المصالح والمفاسد قول العز بن عبد السلام:"الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون، وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما، ومفاسد إذا تحققت هلك أهلهما، وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به؛ فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة، وإنما يعملون بناءً على حسن الظنون، وهم مع ذلك يخافون ألا يقبل منهم ما يعملون، وقد جاء التنزيل بذلك في قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} ، فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناء على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت