الصفحة 89 من 165

تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟! ".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا أصل عظيم في هذه المسائل ونوعها، لا ينبغي أن ينظر إلى غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن؛ بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب".

الفصل الثالث

تنزيل القاعدة المذكورة على تولي الولايات العامة والوزارات ونحوها في الواقع المعاصر

اعلم: أن الأصل في تولي الولايات العامة أنها من أجلّ القربات، من تولاها بحقها وأدى ما وجب عليه فيها فهو في أعلى الدرجات، كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأولهم: "إمام عادل"، وكما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ب أن النبي ^ قال:

"إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور على يمين الرحمن؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".

وقد عقد العلامة العز بن عبد السلام في كتابه الفذّ "قواعد الإحكام" فصلًا في تفضيل الحكام على المفتين والأئمة على الحكام، وحكى فيه الإجماع على أن الولايات من أفضل الطاعات، ولذلك قبلها بل طلبها بعض سادات المسلمين وأئمة الدين.

قال العز ?: "إن قيل: هل يتساوى أجر الحاكم والمفتي القائمين بوظائف الحكم والفتيا أم لا؟

فالجواب: إن أجر الحاكم أعظم؛ لأنه يفتي ويلزم، فله أجران:

أحدهما: على فتياه، والآخر: على إلزامه، هذا إذا استوت الواقعة التي فيها الفتيا والحكم، وتختلف أجورهما باختلاف ما يجلبانه من المصالح ويدرآنه من المفاسد، وتصدي الحاكم للحكم أفضل من تصدي المفتي للفتيا.

وأجرُ الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم؛ لأن ما يجلبه من المصالح ويدرأه من المفاسد أتمُّ وأعمُّّ؛ وكذلك جاء في الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل"، فبدأ به لعلو مرتبته.

وأجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات؛ فإن الولاة المقسطين أعظم أجرًا وأجلُّ قدْرًا من غيرهم؛ لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير وأجر كبير. وأما ولاة السوء وقضاة الجَور فمِن أعظم الناس وزرًا وأحطِّهم درجةً عند الله؛ لعموم ما يجري على أيديهم من جلب المفاسد العظام ودرء المصالح الجسام، وإنّ أحدهم ليقول الكلمة الواحدة فيأثم بها ألف إثم وأكثر، على حسب عموم مفسدة تلك الكلمة، وعلى حسب ما يدفعه بتلك الكلمة من مصالح المسلمين، فيا لها من صفقة خاسرة وتجارة بائرة".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب أن يُعرَف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي ^: {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم} . رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، ... فأوجب ^ تأميرَ الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع.

ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود؛ لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: {أن السلطان ظل الله في الأرض} ، ويقال: {ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان} . والتجربة تبين ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت