فهرس الكتاب
الشبهات، أو المعتركات السياسية التي يضيقُ فيه الحلالُ المحض، ويُضطرُّ فيه المتكلم لاستعمال شيء مما لا يجوزُ استعمالُه في حال الاختيار لغلبة المصلحة المرجوة من وراء استعماله، أو عند جدال يحاول فيه جذبَ الجماهير عن طريق دفع الدعاية المشوهة للإسلام؛ فحينئذ يجوز ذلك إذا غلبت مصلحتُه وَفق تقدير المجتهد، مع الحفاظِ على قيد المرجعية الإسلامية المُلزِمة، والسعي في كشف التلبيس بطرح منفصل مفصِّل، ويكونُ ذلكَ من جنسِ المعاريضِ التي يُدفعُ بها الضررُ والظلمُ، أو تُرجَى منها مصلحةٌ عظيمةٌ يغلبُ على الظنِّ تحققُها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المعاريض: وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا ويتوهم غيرُه أنه قصد به معنى آخر, ويكون سبب ذلك التوهم كونَ اللفظ مشتركًا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين, أو لغوية مع أحدهما, أو عرفية مع شرعية، فيعني أحد معنييه ويتوهم السامع أنه إنما عنى الآخر؛ لكون دلالة الحال تقتضيه, أو لكونه لم يعرف إلا ذلك المعنى, أو يكون سبب التوهم كونَ اللفظ ظاهرًا فيه معنى، فيعني به معنى يحتمله باطنًا فيه؛ بأن ينويَ مجازَ اللفظ دون حقيقته, أو ينويَ بالعام الخاص، أو بالمطلق المقيد, أو يكون سبب التوهم كونَ المخاطبِ إنما يفهم من اللفظ غيرَ حقيقته بعرفٍ خاصٍّ له, أو غفلة منه, أو جهل منه، أو غيرِ ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا - إذا كان المقصود به دفعَ ضررٍ غير مستحق - جائزٌ ... وقد يكون واجبًا إذا كان دفع ذلك الضرر واجبًا ولا يندفع إلا بذلك، مثل التعريض عن دم معصوم وغير ذلك ...
وهذا الضرب نوع من الحيل في الخطاب, لكنه يفارق الحيل المحرمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به: أما المحتال عليه هنا فهو دفع ضرر غير ضرر مستحق ... فأما إن قصد بها كتمان ما يجب من شهادة أو إقرار أو علم أو صفة مبيع أو منكوحة أو مستأجر أو نحو ذلك؛ فإنها حرام بنصوص الكتاب والسنة ..
والضابط: أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس ..
وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب إن اضطر إلى الخطاب وأمكن التعريض فيه .. وإن كان بيانه جائزًا أو كتمانه جائزًا وكانت المصلحة الدينية في كتمانه .. فالتعريض أيضًا مستحب هنا, وإن كانت المصلحة الدنيوية في كتمانه؛ فإن كان عليه ضرر في الإظهار - والتقدير أنه مظلوم بذلك الضرر -؛ جاز له التعريض في اليمين وغيرها, وإن كان له غرض مباح في الكتمان ولا ضرر عليه في الإظهار؛ فقيل: له التعريض أيضًا. وقيل: ليس له ذلك. وقيل: له التعريض في الكلام دون اليمين ..
وهذا إذا احتاج إلى الخطاب, فأما الابتداء بذلك فهو أشدُّ, ومَن رخَّص في الجواب قد لا يرخص في ابتداء الخطاب ..
وفي الجملة: فالتعريض مضمونه أنه قال قولًا فهم منه السامعُ خلافَ ما عناه القائل؛ إما لتقصير السامع في معرفة دلالة اللفظ, أو لتبعيد المتكلم وجه البيان, وهذا غايته أنه سبب في تجهيل المستمع باعتقاد غير مطابق, وتجهيلُ المستمع بالشيء إذا كان مصلحة له كان عمل خير معه, فإنَّ مَن كان علمُه بالشيء يحمله على أن يعصي الله سبحانه كان أن لا يعلمه خيرًا له, ولا يضره مع ذلك أن يتوهمه بخلاف ما هو إذا لم يكن ذلك أمرًا يطلب معرفته ..
فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أباح الشارعُ السعيَ في حصوله, ونصب سببًا يفضي إليه أصلًا وقصدًا؛ فإن الضرر قد يشرع للإنسان أن يقصد دفعه, ويتسبب في ذلك, ولم يتضمن الشرعُ النهيَ عن دفع الضرر".
وبالجملة: فمتى كان طريق من الطرق يحقق العدل كليًّا أو جزئيًّا ويرفع الظلم كليًّا أو جزئيًّا، ولم يُنهَ عنه بنهي خاص؛ فإنه يشرع سلوكه.
قال ابن القيم ?: "فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان؛ فثَم شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر؛ بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامةُ الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخرِج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجَبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن