الصفحة 87 من 165

إذا تبين ذلك: فالمحلِّل للحالة المصرية يدرك أن مفهوم (الدولة المدنية) بالمعني العلماني المسرف ليس مرادًا لكثير من الشباب والمتصدرين للدعوة إليه؛ لاعتبارات منها الديني، ومنها ضعف الثقافة، ومنها اعتبارات اجتماعية ووجدانية.

ولا يعني ذلك عدم مناهضة هذا المفهوم الباطل بطريقة معتدلة مسئولة، تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتركز في خطابها على جذور هذا الشعب المسلم، ودوره منذ فجر الإسلام في بناء تراث أمته الفكري، وبناء مجدها وتاريخها، وكذلك توعية الناس عمومًا والشباب خصوصًا بخطورة منحى العلمانيين على الدين والأخلاق، ومضادته لمحكَمات شرعية لا يمكن الالتفاف عليها، مع الانتباه إلى أن مجابهة خطاب العلمانيين بأن (الدولة المدنية) مناقضة للإسلام هكذا بإطلاق؛ يترتب عليه أنواع من المفاسد والصدِّ عن سبيل الله وتقوية العلمانيين وإكسابهم أرضية شعبية مفقودة لهم، حيث لا يَفهم منه قطاعٌ عريضٌ من الشعب إلا المعنى الإيجابيَّ له؛ من حماية الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية، ونحو ذلك من المعاني التي هي حق إجمالًا، وهي التي من أجلها ثار هؤلاء على أوضاع بلادهم.

وبالجملة: فالوصول إلى (ديموقراطية) و (دولة مدنية) بآليات وسياسات تُبقي على الهوية الإسلامية لمصر، والمرجعية الشرعية ما أمكن، وتوسِّع حرية الإسلاميين في الدعوة والتواصل مع الجماهير؛ أخف الشرين وأهونهما إذا ما قوبلتا بدولة ديكتاتورية مستبدة، أو علمانية صِرفة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"قد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوكُ الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث؛ لعدم القائم بالطريق المشروعة علمًا وعملًا. فإذا لم يحصل النورُ الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية إذا خرج غيرُه عن ذلك؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة.

وإنما قررت هذه القاعدة ليُحمَلَ ذمُّ السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويُعرفَ أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعًا تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علمًا وعملًا، وتارة بعدوان بفعل السيئات علمًا وعملًا، وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة؛ فالأول قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان. والثاني قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات والمضطر إلى بعض السيئات معذور؛ فإن الله يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقال: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} في البقرة والطلاق، وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسًا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ، وقال النبي ^: {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم} ، وقال سبحانه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} ، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ، وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقال: {ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به} .

وهذا أصل عظيم، وهو: أن تعرف الحسنة في نفسها علمًا وعملًا سواء كانت واجبة أو مستحبة، وتعرف السيئة في نفسها علمًا وقولًا وعملًا محظورة كانت أو غير محظورة - إن سميت غير المحظورة سيئة -، وإن الدين تحصيل الحسنات والمصالح وتعطيل السيئات والمفاسد، وإنه كثيرًا ما يجتمع في الفعل الواحد أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية.

فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومَن سلكه كان قائمًا بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان". اهـ ? رحمة واسعة.

ومع ذلك فإنا نقول: إنه في حال السَعَة والاختيار لا يسوغ التعبير بأن الإسلام دولته (ديموقراطية) أو (مدنية) ؛ لما في ذلك من التلبيس والترويج للباطل، والأصلُ في المعاني الشرعية استعمال العبارات الشرعية وعدم الخروج عنها إلا عند الحاجة، والألفاظ المجملة لا تُطلقُ نفيًا ولا إثباتًا إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المرادَ بها، والحاجةُ: مثلُ أن يكون الخطابُ مع من لا يتمُّ المقصودُ معه إن لم يخاطب بها، وكذا في مقام دفع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت