الصفحة 86 من 165

والثلاث نظريات باطلة في الإسلام، ودين الله ليس لأحد من البشر فيه حاكمية مطلقة على الخلق، والله تعالى يقول: (إن الحكم إلا لله) ، واجتهاداتُ العلماء في فهم الوحي ما لم تكن إجماعًا معصومًا فليست أمرًا ملزمًا يجب اتباعُه، وليس لواحدٍ منهم عصمةٌ في نفسه، ولا يملك واحدٌ منهم أن يولِّيَ بنفسه حاكمًا، أو يخلعه، بل ذلك لمجموع أهل الحَل والعقد، وَفق أصولٍ شرعيةٍ، والحاكمُ واحدٌ من الناس، ليس بمعصوم ولا مقدَّسٍ، وقد بويع باختيار الشعب، وهو مأمور أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وأن يجتهدَ لمصلحة الأمة؛ فربما أصاب وربما أخطأ، ولا طاعة له ولا لغيره في معصية، إنما الطاعة في المعروف، وليس له تفويض إلهي، وليسَ نائبًا عن الله، وإنما هو وكيلٌ عن الأمة في سياستها وحفظها، وهو يستمدُّ سلطتَه وبقاءَه في الحكم من الأرض لا مِن السماء، ومتى سحب الناسُ ثقتَهم منه وسخِطوا عليه لظلمه وانحرافه؛ عُزِل بالطرق الشرعية، ما لم يؤدِّ ذلك إلى فتنةٍ وفسادٍ أكبرَ، وإلا ارتكبوا أخفَّ الضررين.

ولابُدَّ من التنبيهِ على أمرٍ مهمٍّ: وهو أن الكنيسة وطبيعة تشريعاتها والخلاف بينها وبين العلم المادي؛ كان هو أساسَ هذا النظر الغالي المغرِق في نبذ الدين، وليس الإسلام كذلك قطعًا.

يقال هذا وإن كان العلمانيون يقصدون مطلق الدين، ويعارضون أي سلطة أو مرجعية دينية أو أخلاقية تقيِّد قوانين الحكم إلا سلطة الشعب.

والإسلام يرفض بشكل قطعي أن يُعزل عن الحياةِ المدنية والسلطة التشريعية، وأن يبقى في المساجد قاصرًا على العبادة، فهذا كفر صريح كما دلت عليه النصوص القطعية وإجماع المسلمين، بل الإسلام دينٌ تامٌّ شاملٌ لجميع مناحي الحياة يحكمها بالنص تارةً، وبالسكوت والعفو أخرى، مع التفريق بين الوحي وفهم المجتهدين له، فلا يعطَى لهذا الفهم قداسةً بمجرده، وإنما بما يؤيده من الأدلة المعتبرة.

2 -ويطلق مصطلح «الدولة المدنية» ويراد به الدولة المناظرة للدولة العسكرية القمعية، أي: التي يقوم على حكمها عناصر الجيش، فتكون الدولة المدنية دولة نخبوية من الشعب، وليست عسكرية، ويتولى الحكمَ فيها رجلٌ مدنيٌّ بنُظُمٍ مدنية لتولية الحكم، وليس عن طريق الانقلابات العسكرية والاستيلاءِ على الحكم بقوة السلاح ونحوِ ذلك.

واستعمالُ هذا المصطلحِ بهذا المعنى والمطالبةُ بدولة مدنية بهذا المراد لا شيء فيه، والإسلام يدعو لأن يتولى أمورَ المسلمين مَن يرضَونه، ويمنع اغتصابَ السلطة والقفزَ عليها على غير إرادة من الشعب؛ والخلافُ بين الإسلام وغيرِه إنما هو في طبيعة وآلية اختيار الناس لمَن يتولى أمرَهم.

3 -ويطلق مصطلح: «الدولة المدنية» عند بعض المفكرين الإسلاميين المنظِّرين للفقه السياسي، ويراد به: الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، فهم يفهمون من معنى الدولة المدنية أنها ضد النظام (الثِّيُوقْرَاطي) القائم على الحكم بالحق الإلهي، الذي يكون فيه الحاكم إلهًا، أو طاعته تساوي طاعة الإله.

ومعلوم أن الدولة الإسلامية تقوم على أساس الاختيارِ والبيعةِ والشورَى ومسئولية الحاكمِ أمام الأمة وحقِّ كلِّ فردٍ في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم ويأمرَه بالمعروف وينهاه عن المنكر.

والدولة الإسلامية لا يقومُ عليها «رجالُ الدين» بالمعنى الكهنوتيِّ المعروفِ في الغرب؛ فهذا المعنى غيرُ معهود في الإسلام، إنما يوجد علماءُ دينٍ مِن باب الدراسة والتخصص، وهذا بابٌ مفتوحٌ لكلِّ من أرادَهُ وقدر عليه.

وعلى هذا تصح - عند هؤلاء - الدعوة إلى دولة مدنية مرجعُها الإسلامُ، ويصح أن دولةَ الإسلامِ دولةٌ مدنيةٌ إذا فسرنا مفهومَ الدولةِ المدنية بهذا.

ولكن الإشكال الذي قد يبدو هنا: أن مصطلح (الدولة المدنية) في أصل نشأته والدعوة إليه لم يُرَد به هذا.

ولكن كما سبق في مصطلح (الديموقراطية) ؛ فمصطلح (الدولة المدنية) بهذا التفسيرِ الأخير اصطلاح جديد خاص بأولئك، لا يتواردُ هو والمصطلحُ العلماني الأصلي على محلٍّ واحدٍ بتمامه؛ إذ يظلُّ العلماني مطالبًا بالركنِ المدنيِّ الرئيسِ وهو: أنه لا مرجعيّة مطلقة مُلزِمة تفوق سلطتها النظام الحاكم بسلطاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت