الصفحة 85 من 165

فهذا ما يتعلق بالمصطلح الأول (الديموقراطية) ، من حيث تطبيق قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد على استعماله وهذا ما يعتقده من يريد (الديموقراطية الاسلامية) ، ويستندون اليه من ادلة بحجة فقه المرحلة.

المطلب الثاني

مصطلح (الدولة المدنية) من خلال قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد

وأما المصطلح الثاني الذي تلوكه الألسنة الآن، ويتكلم فيه كل من هب ودب؛ فهو (الدولة المدنية) : وهذا المصطلح مصطلح مشترك لا من حيث أصل نشأته؛ حيث يطلق الآن ويراد به أمور مختلفة بعضها حق وبعضها باطل، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، فتجد طوائف من المسلمين يتباغضون ويتعادون أو يختصمون أو يقتتلون على إثبات لفظ ونفيه، والمثبتة يصفون النفاة بما لم يريدوه، والنفاة يصفون المثبتة بما لم يريدوه؛ وذلك لكون اللفظ فيه إجمال واشتراك، فيحتمل معنى حقًّا ومعنى باطلًا، فالمثبت يفسِّره بالمعنى الحق، والنافي يفسِّره بالمعنى الباطل، ثم المثبت ينكر على النافي أنه جحد الحق، والنافي ينكر على المثبت أنه قال بالباطل، وقد يتسبب في ذلك - مع اشتراك اللفظ - نوع جهل أو ظلم، فالكلام في الألفاظ المجملة بالنفي والإثبات المطلقَين دون استفصال يوقع في الجهل والإشكال، والقيل والقال.

والواجب حيال تلك الألفاظ المجملة الاستفصال في معناها للوقوف على حقيقتها، ومن ثَم الحكم عليها، وعدم البدار بردّ شيء لم يحط المرء به علمًا، ومن لم ينقِّب عنها أو يستفصل المتكلم بها يقع في التناقض من حيث لا يشعر.

إذا تبين هذا فإننا نقول: إن لفظ (الدولة المدنية) يختلف معناه باختلاف القائلين به:

1 -فيطلقه العلمانيون ويريدون به الدولة المطلقة عن أي مرجعية، فمفهومها عندهم: عدمُ قبول السلطة العليا الحاكمة لأي استمداد مُلزِمٍ من الدين وغيره من أيِّ مرجعية متجاوزةٍ، ومن ثَم فإنهم يحظرون في الدولة المدنية أن ترجع إلى أي مفهوم ديني؛ إذ المفهوم الديني يقتصر - عندهم - على المعنى الشخصي للأفراد، ولا علاقة له بمفهوم الحكم وسياساته وآلياته. وهذا لا ريب في بطلانه ومناقضته للإسلام، وهو معلوم بالضرورة من دين الله.

وإذا كان هذا معنى «الدولة المدنية» في الأصل، وأنها مقابلة لـ «الدولةِ الدينية» ، فليس لمصطلح «الدولة المدنية» المقابل لـ «الدولةِ الدينية» مفهومٌ واحدٌ، بل تعدَّدَتْ مفاهيمُهُا بحسَب مستعمليها، وبحسَب نوع الدولة الدينية التي استعملوا هذا المصطلحَ في مقابلها.

فالدولة «الدينية الثِّيُوقْرَاطِيَّةُ» بُنيت عند هؤلاء على ثلاث نظريات:

1 -نظرية «الطبيعة الإلهية للحاكم» ، وهي التي تقدّس الحاكم وتوجب على الأفراد طاعتَه مطلقًا، وعدمَ إبداءِ أي اعتراض عليه.

2 -نظرية «الحق الإلهي المباشر» ، وهذه النظرية تقول: إن الحاكمَ يُختارُ بشكلٍ مباشرٍ من الله، وهذه وإن لم تجعل الحاكمَ إلهًا يُعبد؛ إلا أن أصحاب هذه النظرية يرون أن الحكام يستمدون سلطانهم من الله تعالى مباشرةً، وأن الحاكم لا يُسأل عما يفعل.

وهذه النظريَّةُ هي التي تبنتها الكنيسةُ زمن صراعها مع السلطة، واستخدمها بعضُ ملوك أوروبا ـ خاصَةً فرنسا ـ؛ لتدعيم سلطانهم على الشعوب.

3 -نظرية «الحق الإلهي غير المباشر» :والحاكمُ عند أصحاب هذه النظرية بشرٌ من البشر، لكن يختاره الله تعالى بطريقةٍ غير مباشرةٍ، حيث تقوم مجموعةٌ من الأفراد باختيار الحاكم، وتكون هذه المجموعة مسيرةً غير مخيَّرةٍ في اختيار الحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت