الصفحة 84 من 165

ولذلك فالتعامل المرحلي مع هذه الآلية دون الإقرار بكل تفاصيلها هو من جنس الموازنة بين المصالح والمفاسد، واختيار أخف الشرين.

ومما يدل على ذلك أيضًا: أنه إذا كانت العلمانية أمرًا واقعًا لا محالة في هذه المرحلة؛ فإن العلمانية الديموقراطية أهون من العلمانية الديكتاتورية، حيث يخلى في الأولى بين الدعاة والأمة، يتحدثون بما يريدون، كما يخلى بين غيرهم وبين الناس، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

وهذا النموذج يشيع جوًّا من الحرية يتيح للدعوة أن تصل إلى الناس، ويؤمِّن الدعاة، ويفتح لهم سبل التواصل بعيدًا عن القمع والتنكيل، كما يتيح إمكانية رفع الظلم عن الناس أو تقليله، وكشف الجرائم، وإدانة المسئولين مهما علت رتبتهم، ويتيح اختيار الحكام، ونصيحتهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الظلم، ورفض المعصية.

وأما في الثانية أعني: (الديكتاتورية) ؛ فتكمم الأفواه، وتصادر الآراء، ولا يُسمع إلا صوت الإلحاد فقط، ولا تقبل من أحد معارضة المستبدين، ولا تَرُوجُ إلا أهواؤهم مهما كانوا جهلة أو فاسدين.

ولا ريب أن بعض الشر أهون من بعض؛ فإذا كنا لا محالة سنختار بين هذين الأمرين؛ فـ (الديموقراطية) أخفُّ ضررًا حالًا ومآلًا، بل ربما كانت عاقبتها خيرًا إذا وضعنا في الحسبان ما سبق من أن الأمة مسلمة، وأنها بشيء من التربية والتقويم لن تختار إلا الإسلام؛ فخيار (الديموقراطية) حينئذ خيارٌ مرحليٌّ مفيدٌ في المآل، وقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الأغلبية والكثرة في الشعوب الإسلامية تحب الخير، وتريد تحكيم شريعة الله، وتؤيد الحق، وأنه في الوقت الذي يُخَلَّى بين الناس واختيارهم فإنهم لا يبغون بالإسلام بديلًا، خصوصًا لو أحسن الدعاة القول والعمل، وبينوا الحق كما هو.

ولذلك يعمد المجرمون في بلاد الإسلام إلى تزييف إرادة الناس، وحجب أصواتهم، وتزوير الانتخابات، ومنع الجماهير الإسلامية بكل سبيل أن تختار ما تريد، كما هو معلوم مشاهد، وفي الانتخابات الأخيرة التي كانت أعظم أسباب إسقاط النظام ما يفي ببيان ذلك أتم بيان.

ولعل من الآليات المفيدة في هذا الصدد التأكيد على أن حرية التعبير وإبداء الرأي ليست حكرًا على غير الإسلاميين، وكشف التناقض الكبير في التطبيق الليبرالي لمقوماته النظرية في هذا الجانب، وكذلك التركيز على أن معيار الأغلبية الذي يوليه الليبراليون عناية فائقة يوجب احترام قيم الأغلبية وهويتهم، وكذلك الاهتمام بتبيين موقف الإسلام من الأقليات غير المسلمة وضمانه لحقوقهم.

فالتعاطي مع الواقع ليس إقرارًا له، ولا رضا به، ولكن من باب ارتكاب أخف الضررين، مع بيان ما في (الديموقراطية) من مخالفات صريحة للإسلام في سياق مناسب لهذا الخطاب، يضعه في موضعه الواقعي من دون تضخيم، أو انجرار لجدل نظري محض ربما كان شره أنفع من خيره.

وأما ما يقوله العلمانيون: من أن الإسلاميين يحتكمون إلى الشريعة، ويعطونها الكلمة العليا، وأن ما حكمت فيه الشريعة، فلا نقاش فيه ولا (ديموقراطية) فيه عندهم، وهذا نقض لمصطلح (الديموقراطية) ، بل وكفر به، ولهذا لا يمكن للإسلاميين أن يكونوا (ديموقراطيين) حقيقيين، فلا ينبغي قبولهم في رحاب (الديموقراطية) بحال؛ لأنهم خطر على (الديموقراطية) .

فجوابهم: أن من بدهيات (الديموقراطية) القبولَ بما تختاره الشعوب وتتمسك به. و (الديموقراطي) الحق - حتى لو فرضناه ليس مسلمًا - هو من يحترم اختيار شعبه وجمهوره، ولا أحد يجادل في تمسك جميع المسلمين، وليس أغلبيتهم، بالأحكام الثابتة الصريحة في دينهم.

فهذا خيار (ديموقراطي) محسوم ومعلوم ولا غبار عليه، وعلى جميع (الديموقراطيين) احترامُه والعمل بمقتضاه.

فحتى لو قلتم: إن حكم (الديموقراطية) فوق حكم الدين، فهذا يمكن أن ينفعكم إذا تعلق الأمر بدين تدين به الأقلية، أما ما تؤمن به وتتمسك به الأغلبية الساحقة من الشعب، أو الشعب كله؛ فإن الالتزام به هو عين (الديموقراطية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت