الصفحة 83 من 165

طمس الحقيقة، فإذا تمت معالجة الخلل وأسبابه، فحينئذ ما فُقِد بـ (الديموقراطية) سيعود بها كذلك، ونكون قد ربحنا معرفة الخلل ومعالجته، وقضينا على الاستبداد والديكتاتورية.

هذا مع ما سبق من التأكيد على رفض مبدأ التخيير في التحاكم لشرع الله، أو جعله تبعًا لرغبات الناس، لكن الكلام من حيث واقع المسلمين، لا من حيث النظرة الفلسفية لأصل المصطلح.

وما يقوله مَن يرفض ذلك من كون (الديموقراطية) تعطي السيادة والكلمة العليا للشعب وللناخبين، فتجعل كلمة البشر فوق كلمة الله، وتجعل تشريعاتهم فوق شريعة الله، أي: أن (الديموقراطية) تحِلُّ ما حرَّم الله، وتحرِّم ما أحلَّ الله، وتلغي ما فرض الله، وتشرع من دون الله، وهذا كفر. فلذلك لا يمكن قبول (الديموقراطية) بحال.

فالجواب: أن هذا لا يُتصور إلا في حالة افتراض استفتاء شعبي عام في بلد إسلامي، ويتعلق بشيء صريح في الدين، ليقبلَه الناسُ أو يرفضوه، فيُسفر الاستفتاءُ عن رفض الحكم الشرعي وتبنِّي ما يخالفه.

وهذا ما لم ولن يقع في يوم من الأيام، لا من حيث إجراء مثل هذا الاستفتاء، ولا من حيث نتيجته المذكورة.

ولا ينبغي أن يُظَنَّ أنه حين يَرفض الناسُ حزبًا إسلاميًّا، أو مرشحين إسلاميين؛ لسوء أدائهم، أو لضعف أهليتهم، أو حين لا يقبلون اجتهاداتِهم الفقهيةَ، أو برامجَهم الاجتماعيةَ، أو مواقفَهم السياسيةَ؛ أن هذا رفضٌ للإسلام نفسه أو لشيء منه؛ فالإسلام وشريعته شيء، والمسلمون واجتهاداتهم وتصرفاتهم شيء آخر.

إن الحاجة قائمة أن ننظر فيما حولنا وما عند غيرنا من النظم والأنماط التنظيمية، وننظر في جدواها ونتائجها .. وسواء سُمي ذلك (ديموقراطية) ، أو (أساليب ديموقراطية) ، أو (اقتباسًا ديموقراطيًّا) ، أو (نهجًا ديموقراطيًّا) ... ؛ فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وبالمعاني لا بالمباني، وبالمحتويات لا بالمصطلحات، وبالمقاصد والجواهر لا بالوسائل والمظاهر.

وها هي (الشورى) مثلًا قاعدة من قواعد الشريعة العامة وعزيمة من عزائم الأحكام، ولكن شأن نظامها أو تنظيمها متروك في الجملة للاجتهاد والتجربة والتكيف مع الأحوال والتطورات، ومن التطورات أننا نجد أمامنا اليوم في هذه الثروة من التجارب والنظم والآليات (الديموقراطية) كثيرًا مما لا يخالف الشرع المطهر؛ فلنا أن نأخذ بها أو منها.

إنه إذا كان قدرُنا نحن المسلمين في هذا العصر أن نعيش في عصر (الديموقراطية) وعولمتها، وأن نكون مدعوين أو مضطرين للأخذ بها؛ فلماذا لا نكون نحن من يقوم بترشيد (الديموقراطية) وتطويرها وترقيتها ومداواة أدوائها؟

إنه لا حرج - حيث اضطررنا إلى هذا المصطلح، ولم نستطع مجابهة السياسيين برفضه - أن نرشِّده ونجدده، ونجعله عنوانًا على المبادئ المشروعة، وليكن هذا مصطلحًا جديدًا لنا، ولا مشاحة في الاصطلاح، وعامة الناس لا يدركون المعنى الفلسفي لهذا المصطلح، ولا يقبلونه لو عُرض عليهم، وفي الوقت نفسه لو رفضناه بإطلاق سيلبِّس العلمانيون عليهم أن الإسلاميين ضد (الديموقراطية) بما تتضمنه من معان صحيحة ومطالب مشروعة.

وحينئذ: فهل هناك حرج في الاحتفاظ بمصطلح (الديموقراطية) مع التركيز على مضامينه الصحيحة؛ لما يتضمنه هذا المصطلح من قوة دلالية وبيانية وتداولية تسهِّل التفاهم والتخاطب، وتجذب الناس؟

وهل من المصلحة أن يفهم السياسيون المعارضون للتوجه الإسلامي أن الإسلاميين يتخذون (الديموقراطية) مطية للوصول إلى دولة دينية، فيقنعون الناس بناءً على ذلك بخطر الإسلاميين، عبر تخويفهم من النموذج المرفوض من الاستبداد المسمى زورًا بـ (الدولة الدينية) ، وقد يحتجون بكلام شريحة كبيرة من الإسلاميين على (الديموقراطية) ؟

مع العلم أن استعمال مصطلح (الديموقراطية) مطوَّرًا بما لا يخالف ثوابت الدين، واستغلال آلياتها بما يحقق مقاصد الشرع، وتجنب إثارة إشكالات نظرية محضة لا أثر لها فيما يتعلق بواقع المسلمين؛ قد يكون سبيلًا محققًا لكثير من المصالح، رافعًا لكثير من المفاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت