فهرس الكتاب
وهذا إنما يحصل ويحصل غيره حينما تمارس (الديموقراطية) بدون أخلاق.
وقلِّب نظرك في الدول العربية والإسلامية تجد مصداق ما أقول:
ففي العراق حكومة منتخبة ديموقراطيًّا!
وفي أفغانستان حكومة منتخبة ديموقراطيًّا أيضًا!
وفي أطراف فلسطين حكومة منتخبة، ولكنها مطاح بها؛ ديموقراطيًّا!
وبجانبها حكومة أخرى أكثر ديموقراطية؛ ما دام العالم الديموقراطي الحقيقي يعترف بها ويدعمها!
وفي مصر وتونس - قبل الثورتين المباركتين - وفي ليبيا والجزائر وباكستان وسوريا والسودان واليمن؛ يوجد رؤساء دول منتخبون ديموقراطيًّا مدى الحياة!
فهذه الإشكالات وتلك التحديات والإساءات التطبيقية التي تواجه (الديموقراطية) و (الفكر الديموقراطي) ؛ أكبر بكثير وأخطر بكثير من الاعتراضات والتحفظات النظرية الذهنية على بعض مبادئها.
وكذلك فإن من أكبر آفات (الديموقراطية) اليوم؛ سيطرة أرباب المال على مقاليدها، سواء في السيطرة على المؤسسة السياسية، أو تأسيس الأحزاب وتمويلها، أو تمويل الحملات الانتخابية والإعلام المتحكم فيها.
وهو وضع سيئ يقلب الحقائق بصفة قانونية وبطريقة ديموقراطية، لكنه لا يعدم العلاج.
فمن طرق العلاج استثمارُ النفوذ القوي للعلماء والدعاة والزعماء الدينيين والقبليين والمحليين في البلدان الإسلامية لإفراز وجوه للمجتمع أكثر مصداقية من وجوه الشكل (الديموقراطي) المتحكمة فيه، ليكون ذلك عنصر كبح وتوازن مع سلطة المال وأربابه.
ويُضاف لهذا تقوية مؤسسات الصناعة البشرية في المجتمعات الإسلامية، ونشر الثقافة والقيم الإسلامية عبر التربية والتعليم والتوجيه، التي لا تتأثر بسلطة المال، مثل: المساجد والجماعات والمؤسسات الدعوية والمدارس الدينية.
وأما ما يثار من المخاوف من قضية "سيادة الشعب"، وكونها قد تفتح باب الاحتمالات لإلغاء أحكام الشريعة.
فنقول أولًا: إن إلغاء كثير من الأحكام الشرعية في قوانين البلاد الإسلامية في واقعنا المعاصر إنما حصل بصفة (ديكتاتورية) ، وبطرق (ديكتاتورية) ، لا بصفة (ديموقراطية) ، ولا بطرق (ديموقراطية) ، فبعضُ ذلك فَعَله الاحتلالُ الأجنبي، وبعض ذلك فَعَله حكامُ المسلمين بضغط من كبرائهم في الغرب، أو بإرادة استبدادية لا دخل للديموقراطية فيها.
ونقول ثانيًا: حتى لو افترضنا تحقق هذه التوجسات والمخاوف بديموقراطية حقيقية، فهل العيب حينئذٍ يكون في الديموقراطية أم أن العيب في الواقع القائم؟
إن المنصف يقول: ليست (الديموقراطية) هي التي أتتنا بهذا العيب، وإنما كشفت لنا عنه.
وهذه الإشكالية لا ينبغي أن تكون هي السببَ لرفض (الديموقراطية) والقدح فيها واتهامها؛ فإنها لم تفرض على الناس دينًا ولا رفضت لهم دينًا، ولكن الناس هم من بحاجة إلى تربية وتقويم.
فلابد - إن أردنا علاج هذا التوجس والخوف - من تعميق الإيمان في النفوس وترسيخ الرضا بحكم الله، وتقوية ثقافة الناس الدينية والتمسك بدينهم وشريعتهم؛ بالإقناع والإيمان، لا بالإكراه والإذعان؛ ليكون علاجنا الحقيقي للمرض لا للعرض، وليكون هذا السلوك - إن تحقق - فرصة للعلاج الناجع، بدلًا من التمادي في