فهرس الكتاب
وأما أكثر المبادئ والآليات التي تعدُّ هي التعبير العملي عن (الديموقراطية) و (النظام الديموقراطي) ؛ فليس عليها كبير اعتراض ولا إشكال، بل هي مطالب مشروعة في الجملة، مثل: الحق في اختيار الناس لمن يحكمهم ومن ينوب عنهم في تدبير شئونهم العامة، والتداول السلمي للسلطة بواسطة الانتخابات النزيهة، وحق تأسيس الأحزاب وغيرها من المنظَّمات للتعبير الجماعي والعمل الجماعي، والحق في حرية الصحافة وحرية التعبير، والحق في مراقبة الحكام والمنتخبين ومحاسبتهم، والفصل بين السلطات وصلاحياتها، وخاصةً استقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة الأقوى، التي هي السلطة التنفيذية ...
فعامة هذه الحقوق والقواعد الدستورية هي مبادئ ومُثُل عادلة مشروعة في الجملة.
ولكن ما يقع الاختلاف في إدراكه ويحتاج إلى الشرائع لحسمه ويحتاج إلى العلماء المجتهدين والخبراء المتخصصين لإدراك وجه صوابه وحكمته ومدى مطابقته للحكم الكلي؛ هو التفاصيل الجزئية والصور التطبيقية.
ونحن حين نتحدث عن (الديموقراطية) من حيث هي، لا من حيث تطبيقها هنا وهناك، ولا من حيث ما قد يشوب الممارسات (الديموقراطية) ، من انزلاقات وانحرافات، ولا من حيث ما قد يرافق (الديموقراطية) أو يحيط بها من فساد خلقي في المجتمعات، مما لم تنتجه (الديموقراطية) من حيث هي، وإنما هو فساد له أسبابه ومنابعه وفلسفته، سواء حضرت (الديموقراطية) أو غابت، فلا ينبغي أن يُطعن في (الديموقراطية) بسببه، حين نتحدث عن (الديموقراطية) من حيث مبادؤها ونظمها والأهداف المتوخاة منها، ومن حيث الممارسة السليمة لها؛ فإننا نجد لها أبعادًا وآثارًا خلقية واضحة وملموسة؛ فـ (الديموقراطية) - في كثير من تطبيقاتها وآلياتها - وسيلة للعدل والإنصاف، والمنع من الاستبداد والاعتساف، ووسيلة لترشيد التدبير والتسيير للشئون العامة المشتركة، والتعاون والتفاهم بين الأفراد والجماعات، حيث إن (الديموقراطية) تشجِّع على هذا وتساعد على إنجازه وتصريفه بكيفية منظمة ومتحضرة.
كما أن (الديموقراطية) تنمِّي في الناس أخلاق الحوار والتفاهم، وخلق التعايش في حالة الاختلاف فضلًا عن حالة الاتفاق.
و (الديموقراطية) تعلِّم التواضع، إذ المنخرط في ممارستها وفي مقتضياتها يعتاد أن يرى نفسه واحدًا من الناس، قد يقدَّم وقد يؤخَّر ولا حرج، قد يؤخَذ برأيه وقد يؤخَذ بضد رأيه ولا إشكال، قد يشاد برأيه ويثنى عليه خيرًا به وقد يفنَّد رأيه ويظهر ضعفه وخطؤه ولا بأس.
و (الديموقراطية) تجعل المناصب والمواقع القيادية دولًا بين الناس، تارة يُختارُ هذا وتارة يحل محلَّه غيرُه.
وإذا كانت (الديموقراطية) وسيلة لهذا كله؛ فالوسائل والموازين والطرق إنما تكتسب مشروعيتها وأهميتها ومكانتها من خلال ما تحققه وتفضي إليه، ولا بد أن يُنظر إلى الشيء من جهاته كلِّها.
و (الديموقراطية) اليوم - من حيث هي مبادئ وقواعد ونظم - تحظى بقبول وتوافق واسعَين في العالم كله، بما فيه العالم الإسلامي. وعامةُ الحركات الإسلامية ذات الاهتمام السياسي؛ إما مشارِكة في النظم والعمليات الديموقراطية، وإما ساعية لذلك في انتظار أن يُفتح لها الباب أو النافذة، وكلها تمارس آليات (الديموقراطية) في نظامها الداخلي.
لكن الإشكال إنما يتعلق بالتطبيق والممارسة الفعلية، فـ (الديموقراطية) المعمول بها في العالم العربي والإسلامي هي في كثير من الأحيان شعار لإعطاء الشرعية للاستبداد والإقصاء والفساد.
نعم؛ إن (الديموقراطية) هنا كثيرًا ما تمارس بدون أخلاق، وكثيرًا ما تستعمل ضد الأخلاق، وضد مقاصدها وحقائقها بالذات، ولكن لاشك أن الذنب هنا ليس ذنب (الديمقراطية) ، ولكنه ذنب المفسدين الذين ما تلبسوا بشيء إلا أفسدوه، وما انتسبوا إلى شيء إلا شوَّهوه. وعلى قدر أهل الفساد تأتي المفاسد.
ولعل أغرب ما يمكن أن يُتصور؛ أن يتلبس المفسدون المستبدون بشعارات (الديموقراطية) ونُظُمِها، فيجعلون منها وسيلة فاعلة وأداة متطورة للاستبداد المقيت.