الصفحة 99 من 165

وفي فقه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز س مثلٌ حسن في العمل بهذا الأصل؛ فإنه جاء إلى الحُكم بعد مظالم اقترفها بعضُ الذين سبقوه، فتدرج ولم يتعجل في التغيير، فدخل عليه ولدُه عبد الملك، فقال له: (يا أبتِ: ما منعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنتُ أبالي لو غَلتْ بي وبك القُدورُ في ذلك!) .

قال: يا بني: إنّي إنما أروّض الناس رياضة الصعب، وإني أريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه). رواه الخلال في "الأمر بالمعروف".

وفي "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: أنه دخل على أبيه فقال: يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك، فقال: رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها؟

فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولدٍ خيرًا، يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقًا يكثر فيه الدماء، واللهِ لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق بسببي محجمة من دم، أوَ ما ترضى أن لا يأتيَ علي أبيك يومٌ من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة ويحيي سنة؟!). ولكن كانت الشريعة محكمة في ذلك الوقت وكثرت البدع فقط.

ولا ريب أن إصلاح العوائد المخالفة للشرع بالتدريج شيئًا فشيئًا مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينًا من الدهر؛ خيرٌ من ترك الإصلاح كله، أو الوقوع في سفك الدماء.

بل قرر سلطان العلماء العز بن عبد السلام تصحيحَ تصرفات الحاكم الفاسق فيما يوافق الحق؛ لما في إبطال ذلك من تفويت المصالح العامة، فكيف بالحاكم العدل إن تولى تحت إمرة كافر أو فاسق، قال العز:

"تصحيح ولاية الفاسق مَفسدةٌ؛ لما يغلب عليه من الخيانة في الولاية، لكنا صححناها في حق الإمام الفاسق والحاكم الفاسق؛ لما في إبطال ولايتهما من تفويت المصالح العامة، ونحن لا ننفذ من تصرفاتهم إلا ما ينفذ من تصرف الأئمة المقسطين والحكام العادلين، فلا نبطل تصرفَه في المصالح لأجل تصرفه في المفاسد؛ إذ لا يترك الحق المقدور عليه لأجل الباطل.

والذي أراه في ذلك: أنا نصحح تصرفهم الموافق للحق مع عدم ولايتهم لضرورة الرعية، كما نصحح تصرفات إمام البغاة مع عدم أمانته؛ لأن ما ثبت للضرورة تقدر بقدرها، والضرورة في خصوص تصرفاته، فلا نحكم بصحة الولاية فيما عدا ذلك، بخلاف الإمام العادل؛ فإن ولايته قائمة في كل ما هو مفوض إلى الأئمة".

وقال الشيخ عطية محمد سالم في ترجمة شيخه العلامة صاحب أضواء البيان محمد الأمين الشنقيطي: (كان الحاكم الفرنسي في البلاد يقضي بالقصاص في القتل بعد محاكمة ومرافعة واسعة النطاق، وبعد تمحيص القضية وإنهاء المرافعة وصدور الحكم يعرض على عالمَين جليلين من علماء البلاد ليصادقوا عليه، ويسمى العالِمَين(لجنة الدماء) ، ولا ينفذ حكم الإعدام في القصاص إلا بعد مصادقتهما عليه.

وقد كان أحدَ أعضاء هذه اللجنة، ولم يخرج من بلاده حتى علا قدرُه وعظم تقديرُه، وكان علمًا من أعلامها، وموضع ثقة أهلها وحكامها ومحكوميها). انتهى من كتاب (الرحلة إلى مكة) ، ص 22.

وبناءً على ما سبق فإن السعي في دخول المجالس النيابية وتولي الولايات يختلف حكمه بحسب الزمان والمكان وطبيعة تلك المجالس وحالة الدعوة الإسلامية في تلك البلاد، فمتى ترجحت المصلحة على حسب ما سبق تقريره من تكثير الخير وتقليل الشر، بحيث لو لم يدخل الصالحون لكان المنكر أكبرَ وأشدَّ ضررًا على المسلمين، وتيقنا أو غلب على ظننا حصول المقصود، وكانت الحال أنه لا يمكن دفع هذا الضرر الأكبر بطرق أخرى تغني عن الدخول بما يتضمنه من ارتكاب مفاسد؛ شُرع الدخول لدفع هذا الضرر الأكبر، وإلا فلو أمكن طريقٌ خالٍ من هذه المفاسد، أو مفاسده أقل؛ تعين سلوكه.

قال شيخ الإسلام: "إذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب؛ كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس. ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت