الصفحة 100 من 165

ومتى شُرع ذلك فلا يدخل إلا من يكون مأمونًا عارفًا ثقة في دينه، شجاعًا قادرًا على قول الحق ودحر الباطل وإنكار المنكر، أما أن يفتح الباب على مصراعيه فيدخل كلُّ أحد مستغلًّا الفتوى بالجواز؛ فهذه فوضى لا تحقق الهدف من الدخول، بل قد تعيقه.

ومتى دخل في هذه الولايات ثم رأى أن المفسدة أكبر، أو أن المصلحة لم تتحقق، حتى بقيت المفاسد خالصة أو راجحة؛ تعين تركها.

ثم لابد من أمر مهم للغاية وهو عدم الإكراه على ما يناقض التوحيد، من تشريع شيء يخالف الشرع، أو إعانة شخص على ذلك، ونحو ذلك.

والحاصل: أن المسألة بهذه الضوابط والقيود اجتهادية خاضعة لقاعدة تعارض المصالح والمفاسد.

وقد بيَّنتْ لنا الأحداثُ الأخيرة في الثورة المصرية بجلاء أن تعاونَ كافة أطياف المجتمع على مطلب واحد مشروع، وهو سقوط الرئيس الديكتاتور الظالم، وغضَّ الطرف عن الخلافات بينهم؛ أدى - بحول الله تعالى- إلى سقوط أعتى نظام في الشرق الأوسط وأكثره استقرارًا فيما كان يبدو للجميع، وقد كان هذا في نظر الناس جميعًا حتى المشاركين في الثورة أولَ الأمر من أبعد الأمور عن التحقق، حتى كان يعدّ مستحيلًا أو شبه ذلك.

وعلى علماء وأعيان ووجهاء المسلمين أن ينظروا مليًّا في تعارض المفاسد في ذلك كله، ويرجحوا ما هو الأصلح للمسلمين، فيعملوا به على قدر الضرورة، غير باغين ولا عادين، ولْيتقوا الله في المسلمين، ولا يجعلوا ميزان ذلك المصالح الشخصية، بل المصلحة العامة التي تعود بالنفع على الإسلام والمسلمين، وعليهم نبذُ الخلاف والشقاق والاعتصام بحبل الله جميعًا والحرص على الوفاق؛ ليعود ذلك عليهم بالقوة والثقل المعنوي لهم، ولجميع المسلمين من التمسك بالكتاب والسنة على ما كان عليه سلف الامة.

وقال العز بن عبد السلام: "فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلى عن سلطان ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية؛ فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هُدُوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاةَ العباد، فإن عسر جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال؛ فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم، فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضي الأمر إلى شجار وخصام؛ فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع فمن خرجت له القرعة قدم.

والقول المقنع في هذه القواعد: أن الأئمة المستجمعين لخصال المنصب الأعلى ليس إليهم إلا إنهاء أوامر الله تعالى وإيصالها طوعًا وكرهًا إلى مقارها، ثم الغاية القصوى في استصلاح الدين والدنيا ربط الإيالات بمتبوع واحد إن تأتى ذلك، فإن عسر ولم يتيسر تعلق إنهاء أحكام الله إلى المتعبدين بها بمرموقين في الأقطار والديار.

ومن الأسرار في ذلك: أنه إذا وجد في الزمان كاف ذو شهامة ولم يجن من العلم على مرتبة الاستقلال وقد استظهر بالعدد والأنصار وعاضدته مواتاة الأقدار فهو الوالي، وإليه أمور الأموال والأجناد والولايات، لكن يتحتم عليه أن لا يبت أمرًا دون مراجعة العلماء".

وقال الإمام العز بن عبد السلام: "والضابط في الولايات كلها: أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، فيقدم في الأقوم بأركانها وشرائطها، على الأقوم بسننها وآدابها".

وقال: " قاعدة: في تعذر العدالة في الولايات:

إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدلٌ، ولَّينا أقلَّهم فسوقًا، وله أمثلة: أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقًا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقًا يفرط في عشر المصالح العامة مثلًا وغيره يفرط في خمسها؛ لم تجز تولية من يفرط في الخمس فما زاد عليه، ويجوز تولية من يفرط في العشر، وإنما جوَّزنا ذلك؛ لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العشر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضًا، فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما ... ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة؛ فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبًا للمصالح العامة ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيلُ المصالح العامة وتحملُ المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت