فهرس الكتاب
ثم قال: "الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدَّمنا أقلَّهم فسوقًا؛ لأنا لو قدمنا غيره لفات مع المصالح ما لنا عنه مندوحة، ولا يجوز تفويت مصالح الإسلام إلا عند تعذر القيام بها، ولو لم يجوَّز هذا وأمثالُه لضاعت أموال الأيتام كلها، وأموال المصالح بأسرها. وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ".
وقال: "إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقًا، مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، وفسق الآخر بالتعرض للأموال، قدمنا المتعرض للأموال على المتعرض للدماء والأبضاع؛ فإن تعذر تقديمه قدمنا المتعرض للأبضاع على من يتعرض للدماء، وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها.
فإن قيل: أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟ قلنا: نعم دفعًا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءًا للأفسد فالأفسد.
وفي هذا وقفة وإشكال من جهة أنَّا نعِين الظالم على فساد الأموال دفعًا لمفسدة الأبضاع وهي معصية، وكذلك نعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعًا لمفسدة الدماء وهي معصية، ولكن قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصية بل لكونها وسيلة إلى تحصيل المصلحة الراجحة، وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربو على مصلحة تفويت المفسدة، كما تبذل الأموال في فدى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة ...
ومبنى هذه المسائل كلها على الضرورات ومسيس الحاجات، وقد يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار".
وقال:" وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة، وله أمثلة:
منها: ما يبذل في افتكاك الأسارى؛ فإنه حرام على آخذيه مباح لباذليه.
ومنها: أن يريد الظالم قتل إنسان مصادرة على ماله ويغلب على ظنه أنه يقتله إن لم يدفع إليه ماله، فإنه يجب عليه بذل ماله فكاكًا لنفسه.
ومنها: أن يكره امرأة على الزنا ولا يتركها إلا بافتداءٍ بمالها أو بمال غيرها، فيلزمها ذلك عند إمكانه.
وليس هذا على التحقيق معاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان، وإنما هو إعانة على درء المفاسد، فكانت المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان فيها تبعًا لا مقصودًا".
وهذا واضح في أن إعانة مَن يتولى فيخفف الظلم مشروعة، وليست إعانة على معصية؛ إذ هي ليست بنية الإعانة على القصور أو النقص، بل هي بنية دفع الحكم بغير ما أنزل الله في الأمور الأخرى الأعظم، ودرءِ الفساد الأكبر، وإعانتهم على هذا القدر المستطاع من الحق، والميسور لا يسقط بالمعسور.
وقال القرافي: "وكذلك الولايات؛ كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم وغير ذلك من الولايات مما في معنى هذه، لو فوضت لمن لا يوثق به لحَكَم بالجور وانتشر الظلم وضاعت المصالح وكثرت المفاسد.
ولم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة؛ لغلبة الفسوق على ولاتها، فلو اشترطت لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تولية من يوثق به من القضاة والسعاة وأخذ ما يأخذونه وبذل ما يبذلونه، وفي هذا ضرر عظيم أقبح من فوات عدالة السلطان".
ونقل صاحب الفروع عن شيخه الشيخ تقي الدين ابن تيمية قوله:
"الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى، وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وأن على هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى لعدمٍ أنفعُ الفاسِقَينِ وأقلُّهما شرًّا، وأعدل المقلِّدَين وأعرفهما بالتقليد. وهو كما قال؛ فإن المروذي نقل فيمن قال: لا أستطيع الحكم بالعدل: يصير الحكم إلى أعدل منه.