الصفحة 102 من 165

قال شيخنا: قال بعض العلماء: إذا لم يوجد إلا فاسق عالم، أو جاهل ديِّن؛ قُدِّم ما الحاجة إليه أكثر إذًا.

وقد وجدت بعض فضلاء أصحابنا في زمننا كتب للأُنس به ما يوافق ذلك، وهو ما قاله أبو بكر الخوارزمي: الولاية أنثى تكبر وتصغر بواليها، ومطية تحسن وتقبح بممتطيها. فالأعمال بالعمال، كما أن النساء بالرجال، والصدور مجلس ذوي الكمال".

وقال شيخ الإسلام أيضًا: "وهذا يجرى فيمن يُعِين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعِين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم. فمن هداه الله وأرشده امتنع من فِعل المحرم وصَبَر على أذاهم وعداوتهم، ثمَّ تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم، مثل المهاجرين في هذه الأمة، ومن ابتلي من علمائها وعُبَّادِها وتُجَّارِها ووُلاتِها، وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطانُ المخالفة، كالمُكْرَه على الكفر". [جامع المسائل 3/ 256] .

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله تعالى: "ولولا رهطك لرجمناك" في سياق ذكر فوائدها:

"ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجمَ قومِه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان.

فعلى هذا: لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية؛ لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم.

ولكن من يتمسك بالأدلة على جواز تولي هذه الولايات العامة مع ما فيها من مفاسد لدفع ما هو أعظم: قصة النجاشي أصحمة ملك الحبشة؛ الذي أسلم يقينًا وظل حاكمًا لبلاده بعد إسلامه، واستغل ملكَه ليحميَ العصبة المؤمنة المهاجرة من أذى قومه، وكذا في الدعوة إلى الله، فآمن على يديه جماعة، حتى وفد على النبي ^ في المدينة وفدٌ تعداده ستون رجلًا من الحبشة، وبقي أكثر قومه كفارًا، ومع ذلك فقد كان عاجزًا عن إقامة كثير من شعائر الدين، وقاد نظامًا يحكم بغير شريعة الله عجزًا منه عن التغيير، ولو كان من مستلزمات الإسلام وجوبُ التنحي والابتعاد عن هذا النظام لما أقره النبي ^ على ذلك، بل إنه لما مات الرجل صلى عليه النبي ^ هو وأصحابُه في اليوم الذي مات فيه، ووصفه بأنه أخ لهم، وأنه رجل صالح، كما خرجه البخاري وغيرُه.

فقد تم الرد على ذلك من بعض الباحثين على هذا الاستدلال بأن النبي ^ قد خيّره الله في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم في قوله تعالى: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ... " الآية، وأن في هذا دليلًا على أن النجاشي كذلك لا يلزمه الحكم بين قومه النصارى، بل يمكنه الإعراض عنهم، وترك الحكم بينهم إلى قادتهم وعلمائهم.

قال شيخ الإسلام: "وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام؛ بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي ^ بالمدينة؛ خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفَّهم صفوفًا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: "إن أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات".

والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك؛ بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك.

وقد زعم بعض الباحثين أن كلام شيخ الإسلام لا يفهم منه أن النجاشي كان يحكم بغير ما أنزل الله، بل أقصى ما قرره هو أنه لا يلتزم من شرائع الإسلام ما لا يقدر على التزامه، واحتج بأن ابن تيمية قال: "بل كان يحكم بالأحكام التي يمكنه الحكم بها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت