فهرس الكتاب
أن الله تعالى تجلَّى للجبل وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله و أوليائه في دار كرامته ولكن الله أعلم موسى -عليه الصلاة والسلام- أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر الذي خلق من ضعف من باب الأولى.
الوجه السادس: أن الله -جل وعلا- كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكليم والتكلم وأن يسمع مخاطبُه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمع بينهما بعض المبتدعة فنفوا الرؤية ونفوا الكلام.
... الوجه السابع: دعواهم أن «لن» تفيد التأبيد أي أنه لا يرى مطلقًا في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا الدعوى باطلة لأن «لن» لا تقتضي النفي المؤبد ولذا يقول ابن مالك:
... ومن رأى النفي بـ لن مؤبدًا ... ... فقوله فاردد وسواه فاعضدا
الوجه الثامن: استدلالهم بقول موسى -عليه الصلاة والسلام-: ?سبحانك? قاله لما رأى من كمال قدرة الله تعالى وعظمته حيث لم يستطع الجبل أن يتحمل قوة نوره - سبحانه وتعالى - وليس معناه كما يقول النفاة ننزه مما لا يجوز عليه في الرؤية.
الوجه التاسع: قول موسى -عليه الصلاة والسلام- ?تبت إليك? أي تبت إليك من مسألة الرؤية في الدنيا، وقيل قاله على جهة الإنابة والخشوع له عند ظهور الآيات كما مرّ وقد أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية (1) .
الدليل الثالث:
... قال النفاة: إن إثبات الرؤية يلزم منه أن الله في جهة وهذا يلزم منه أن له جسمًا وهذا ممتنع على الله.
والجواب على ذلك:
... أن نقول: لفظ الجهة فيه إجمال فإن أريد بالجهة أنه حال في شيء من مخلوقاته فهذا باطل والأدلة ترده وهذا لا يلزم منه إثبات الرؤية، وإن أريد بالجهة أنه سبحانه فوق مخلوقاته فهذا ثابت لله - سبحانه وتعالى - ونفيه باطل لا يتنافى مع رؤيته - سبحانه وتعالى - .
تاسعًا
(1) تفسير القرطبي (7/279)