ثم قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [1] هذا فيه بيان أن هذه الحنيفية التي كان عليها إبراهيم هي الغاية من الخلق، وهي المقصودة من الوجود، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [2] نفى الله سبحانه وتعالى الغاية من الخلق إلاّ لأجل العبادة، فقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا} : هذا استثناء، والاستثناء هنا من عموم الغايات، فلم يخلقهم لغايةٍ من الغايات إلا لعبادته سبحانه وتعالى، وقد ضلّ في معنى هذه الآية طوائف من الذين ينكرون الحكمة في فعل الله جل وعلا، وقالوا: إن اللاّم لام التعليل، ولا ترد في كلام الله - عز وجل -، إنما الذي يرد في كلامه لام العاقبة، والتي يسميها بعض المفسرين الصيرورة، فلام العاقبة: هي الصيرورة، فيكون المعنى عند هؤلاء {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} فيكون المعنى حينئذٍ على هذا الرأي الفاسد: إلا ليذلوا لي، كيف يذلون له؟ قالوا: ما من مخلوق إلاّ هو ذليل لله - عز وجل -، كما قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [3] ففسروا العبودية هنا أو العبادة هنا: بالعبادة الكونية القدرية، التي لا يخرج عنها شيء، ونحن نقول: هذا تفسير قاصر، يأباه ما نقل عن السلف، وما دل عليه السياق، فإن الله سبحانه وتعالى بيَّن الغاية من الخلق، فقال: {إلا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [4]
(1) الذاريات: (56) .
(2) الذاريات: 56.
(3) مريم: (93) .
(4) الذاريات: (57) ..