وهذا لا يكون منهم قدرًا أصلًا، حتى ينفى، إنما بيَّن ذلك لبيان أن المقصود من الخلق أن يكونوا عبادًا لله، موحدين له في عبادتهم، وفي جميع ما يتقربون به إليه سبحانه وتعالى، ولو كان المعنى {إلا لِيَعْبُدُونِ} أي: ليتذللوا لي، لما اختص بذلك الجن والإنس، لأن هذا أمر عام لكل خلق الله الجن، والإنس، والملائكة، والحجر، والجبل، والأرض، والنجوم، والحيوانات، كل هذه من عباد الله التي لا تخرج عن حكمه القدري، فلما خص الجن والإنس دل أنه يراد منهم ما لا يراد من غيرهم، وما الذي يراد منهم؟ الذي يراد منهم هو عبادته وحده لا شريك له، ثم ما السر من تقديم الجن على الإنس في هذا السياق، مع أن الإنس أشرف من الجن؟ السر في ذلك: أن الجن مما تتعلق بهم قلوب المشركين، ولذلك قدم ذكر الجن، ليبيِّن أن المعبودين هم ممن خلقوا للعبادة وطولبوا بها كغيرهم من المخلوقين من الإنس، وليس الكلام عن مشركي مكة خاصة، بل حتى الذين يتعلقون بالجن في زماننا هذا بدعائهم، والاستغاثة بهم، وطلب الفرج منهم، كل هؤلاء تعلقت قلوبهم بمن يجب عليهم أن يكونوا عبادًا لله، بأن يوحدوه سبحانه وتعالى بالعبادة، هذا سبب من أسباب تقديم الجن في الذكر قبل الإنس، السبب الآخر: أن الجن خلقت قبل الإنس، فلما كانوا قد خُلقوا بُيِّن أنهم من أول خلقهم، إنما أريد من خلقهم العبادة لخالقهم جل وعلا، إذْ لو لم يرد من خلقهم العبادة لكان خلقهم عبثًا، والله - عز وجل - منزهٌ عن العبث.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته) وكيف عرفناه؟ الجواب: دليل هذه المسألة ومعرفتها من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [1] .
(1) الذاريات: 56.