يقول الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مخاطِبًا هؤلاء المشركين: {أَفَرَأَيْتُمُ} وهاذه الصيغة تتكرر، والأصل فيها طلب الرؤية والإخبار، ولذلك يفسرها كثير من العلماء بأخبروني: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى} أي: أخبروني عن اللات والعزى، والرؤية هنا رؤية بصرية ورؤية علمية؛ لأن هاذا مما يدرك بالبصر ومما يدرك عاقبة عبادته بالعقل والعلم والبصيرة.
{أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ} ، {اللاتَ} رجل يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره وأقاموا عنده صنمًا، وقيل: إنهم عبدوا الحجر الذي كان يلت عليه السويق تعظيمًا لفعله واستذكارًا لحسن صنيعه، فوقعوا في الكفر بذلك، فإنهم طلبوا البركة من هاذا الحجر الذي لا يضرّ ولا ينفع، فوقعوا في الشرك والكفر الأعظم الذي قاتلهم عليه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فيكون قوله: {اللاتَ} دالاًّ على قوله: (من تبرك بحجر) فهو مشرك.
قوله تعالى: {وَالْعُزَّى} .
{وَالْعُزَّى} : شجرة كانت تعبدها قريش، ويعبدها العرب لكن تختص قريش بتعظيمها، وكانت شجرة قريبة من عرفة، وهي التي أشار إليها أبو سفيان لما خاطب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد وقعة أُحد: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( من يجيبه؟ ) )فأجابه عمر فقال: الله أعز وأجل، الله أعز وأجل. قال أبو سفيان: اعلُ هبل! فقال النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ألا تجيبونه؟ ) )قالوا: بم نجيبه؟ قال: (( قولوا: الله أعلى وأجل ) ). فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم! ) ).
طيب، وهاذا فيه الدليل على قوله: (من تبرك بشجر -أو بشجرة-) ، فهؤلاء كانوا يأتون إلى هاذه الشجرة يتبركون بها، يذبحون عندها، يطلبون منها حوائجهم، ويعظمونها دون الله.
ثم قال: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} .