الصفحة 368 من 952

ومنه قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما سيذكر المؤلف: (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) ). ومعلوم أن الأرض ليست مسجدًا، يعني: مسجدًا مبنيًّا يأخذُ أحكام المساجد المبنية، إنما المراد بقوله: (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) ). مسجدًا: أي موضعًا للسجود، فيسجد حيث تيسر له وحيث سهل عليه، ولا يلزم أن يخص بقعة من البقع بالصلاة فيها، فقوله -رحمه الله-: (والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد) . أي: هاذا بيان لمعنىً من معاني اتخاذ القبور مساجد.

وقد خص بعض الفقهاء -رحمهم الله- النهي بما إذا صلى في مكان فيه ثلاثة قبور فأكثر، وذكروه قولًا في مذهب الإمام أحمد، أنه إذا صلى في مكان فيه ثلاثة قبور فأكثر فإنه يكون مما نهى عنه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أما إذا صلى في مكان فيه قبر فإنَّه لا يدخل في النهي.

ووقع الخلاف فيما إذا كان فيه قبران: هل هو من النهي أو لا؟

والصحيح أن النهي يشمل ما فيه قبر وما فيه أكثر من قبر، وجه ذلك أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما ذكرتْ له أمُّ سلمة وأم حبيبة فعلَ النصارى، هل قال: هاذا قبر أو هاذه قبور؟ لا، إنما قال: (( أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ) )فهنا عندنا قبر واحد، ثم الصورة والمعنى الذي من أجله ورد النهي عن اتخاذ القبور مساجد موجود فيما إذا كان هناك عدة قبور أو كان هناك قبر واحد.

فالعِلَّة موجودة في القبر وفي المقابر، إذًا النهي عن اتخاذ القبور مساجد يشمل ما فيه قبر وما فيه أكثر من قبر، وصور ذلك: الصلاة عندها، وعندها يشمل إليها وعليها وما جاورها.

الثانية من الصور: فعل أي عبادة من العبادات وتخصيص البقعة بها.

الثالثة وهي التي لا إشكال فيها: البناء عليها.

كلُّ هاذه من الصور التي تدخلُ في نهي النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن اتخاذ القبور مساجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت