هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب ووقع منهم الإيمان بالجبت والطاغوت، ومقتضى الإيمان بالجبت والطاغوت الكفر بربّ العالمين؛ لأنَّه من آمن بالجبت والطاغوت فقد كفر بالله، دليل ذلك قولُه تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [1] . هؤلاء وقع منهم الإخلال في أي شيء؟ الإخلال في الكفر بالطاغوت، فلم يكفروا بالطاغوت، فهؤلاء كفروا بالله -عز وجل- لأنَّهم لم يكفروا بالطاغوت، بل الواقع أنهم آمنوا به وصدَّقوا به، فالإيمان هو التصديق والإقرار والإذعان والقبول، كل هاذا يفيده قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} .
إذًا الآية دلَّت على أمر، وهو المقصود من سياقها، وهو أن الشرك وقع في الذين أوتوا الكتاب من قبلنا، مع أن الكتاب في أيديهم.
وقوله: {أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} أي: حظًّا من الكتاب، ويدلُّ هاذا على أنَّ معهم علمًا، فالعلم لا يمنع من الوقوع في الشرك إذا كان علمًا لم يبتغَ به وجه الله، ولم يقصد به الدار الآخرة.
أما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} والأحسن أن تقف ثم تقول: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} حتى لا يتوهم المتوهم أنها معطوفة على قوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِير} أي: وجعل منهم عبدة الطاغوت.
طيب نأتي على تفسيرها، الله عز وجل في هاذه الآية يقول لمحمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في خطابه لأهل الكتاب:
(1) سورة: البقرة، الآية (256) .