الصفحة 408 من 952

أما الأولى: فقال فيها رحمه الله: وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [1] الاستفهام هنا: استفهام تعجيب وإنكار على هؤلاء الذين {أُوتُوا} أعطوا {نَصِيبًا} أي: حظًّا {مِنَ الْكِتَابِ} والكتاب هنا: يشمل التوراة ويشمل الإنجيل، فإن هاذا هو الذي وقع من اليهود والنصارى حيث آمنوا بالجبت والطاغوت.

فهاذه الآية فيها التعجيب والإنكار من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومقتضى أنهم عندهم الكتاب وعندهم العلم ألا يقع فيهم الشرك، ومع ذلك قال -جلَّ وعلا- في بيانِ اختلاف النتيجة عن المقدِّمة: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} .

المقدمة أنهم عندهم الكتاب، ومقتضى أن الكتاب عندهم أن يؤمنوا به وألا يقعوا في الشرك؛ لأن العلم حماية وصيانة من الشرك، ومع ذلك حصل منهم الإيمان بالجبت والطاغوت.

{يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} . والجبت سيأتينا في الباب القادم تفسيره على وجه التفصيل، لكنه يطلق على السحر، ويطلق على العيافة، والطرق، والطِّيَرة. ويطلق على الكهان، فهو اسم لكل ما عبُد من دون الله، وكذلك الطاغوت يطلق على الشيطان والكاهن والساحر.

وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- التفريق بينهما في باب ما جاء في السحر؛ لأنه بيَّن في ذلك الباب معنى الجبت ومعنى الطاغوت.

لكن اعلم أن الطاغوت صيغة مبالغة على وزن فعلوت، كالرّحموت والملكوت، والمراد بها المبالغة في الطغيان. والطغيان هو المجاوزة في الحد، وما معناه؟ معناه هو: كل من عبد من دون الله وهو راض أو دعا الناس لعبادته، والعبارات في بيان الطاغوت متقاربة لكن تدور على هاذا المعنى.

شيخ الإسلام -رحمه الله- عرَّف الطاغوت بأنَّه: اسم جنس للشيطان والكاهن والعرَّاف والساحر، قال: والدرهم والدينار وغير ذلك.

(1) سورة: النساء، الآية (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت