فهرس الكتاب
ولذلك لما جاء رجلٌ إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: يا رسول الله: إن مدحي زَين، وذمي شَين. ماذا قال له -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال له: (( ذاك هو الله ) ).
يعني: الذي مدحه يزين الشخص وينفعه الله جل وعلا، والذي ذمه يقدح في الشخص ويقبح بالشخص أن يكون قد نزل به ذم الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، أما ذم المخلوق فإنه لا يعتبر في هاذا.
إذا كان الإنسان مذمومًا عند الله -عز وجل- فلو مدحه الناس ما نفعه، وإذا كان ممدوحًا عند الله عز وجل فلو ذمَّه الناس ما ضرَّه.
{مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} يعني: الذي لعنه الله، ومن الذي لعنه الله؟ هم هؤلاء الذين كفروا بالله عز وجل من اليهود والنصارى.
{لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} فجمع له سوءتين: الطرد من الرحمة، واستحقاق العذاب؛ لأن الغضب موجبه أن ينزل به العذاب، فهم مُنعوا من الرحمة، وحلّ عليهم العذاب، وكان يكفي واحدة من هاتين العقوبتين، لكن جمع الله لهم هاتين العقوبتين، جمع لهم -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الطرد من الرحمة والمنع منها، وأضاف إليهم الغضب: {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} .
{وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} وهاذه عقوبة معجَّلة في الدنيا يدركها بنو إسرائيل، وهم يقرون بها لا ينكرونها، فإنهم يقرون بأنَّ جماعةً منهم مُسخوا قردة وخنازير. ومسخهم على هذين الصنفين من الدواب له حكمة بالغة:
فالقرد أقرب ما يكون شبهًا بالإنسان، والخنزير من أقبح الحيوانات وأرذلها وأوقعها على القاذورات، فهم وإن شابهوا الإنس في صورهم، لكنهم في الحقيقة قلوبهم قلوب هاذه البهائم، فلهم شبه بها.