قال: (( ويعجبني الفأل ) )أي: وأحبه ويسرني وأفرح بالفأل، ولماذا استثني الفأل دون غيره من التيامن والتشاؤم؟ لأن الفأل فيه موافقة الطبيعة، وفيه الاستناد إلى أمر محسوس من كلام مسموع، فإن الخارج إلى شُغله إذا سمع كلمة يسر بها تشجعه على مقصوده وعلى تحصيل مطلوبه فرح بذلك، ووجد لذلك موافقة في نفسه، وهاذا ليس ممّا نهى عنه الشارع، الذي نهى عنه الشارع من التيامن هو ما كان باعثًا على العمل حاملًا عليه، وهاذا فرق دقيق، أما ما كان موافقًا للفعل وليس حاملًا عليه فإنه لا ينهى عنه، ولذلك سئل شيخ الإسلام -رحمه الله- عن الفأل هل يكون باعثًا آمرًا؟ فقال -رحمه الله-: لا يكون الفأل باعثًا آمرًا، إنما يكون موافقًا حافزًا، معنى ذلك الآن الذي يخرج إلى سفر ثم يقابله شخص من أصحابه فيقول له -كما هي عادتنا في الأسفار، يقول له-: سفرة. يعني: السفر هاذا سافر، يعني إن شاء الله تجد فيه سفرًا وانشراحًا وتحصيل المقصود، هاذا من الفأل الحسن الذي تسر به النفس. إذا سمعت شخصًا يقول: ناجح موفق، هاذا هل هو الباعث على السفر أم أنه وافق الفعل؟ وافق الفعل، الجاهليون كيف كانوا يتفاءلون؟ كيف كانوا يتيامنون؟ كان أحدهم يأتي ويضرب القداح افعل أو لا تفعل، وبناء عليه يمضي، كان أحدهم إذا خرج يهيج الطير ويزجرها حتى تتحرك، فإذا ذهبت يمنة مضى في طريقه وإذا ذهبت يسرة رجع، وأما الفأل فهو خلاف ذلك، هو كلمة يسمعها يسر بها تحثه وتشجعه على تحصيل مطلوبه ومقصوده، وهاذا الذي كان يعجب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فهو استثناء خاص مخالف للطيرة في الصورة والمعنى، ولذلك جعل بعض العلماء الفأل خارجًا عن الطيرة؛ قال: والفأل يقابل الطيرة وليس من الطيرة؛ لأنه يفارقها في كونه ليس باعثًا هاذا واحد، وكونه موافقًا للطبيعة، وكونه حاثًّا حاملًا على المقصود وليس مانعًا، وأما الطيرة فخلاف ذلك: فهي باعثة على العمل أو مانعة منه.