الصفحة 498 من 952

والثاني أنها تستند إلى غير مستند؛ لأن فعل الطير وحركات الطيور لا يعلم بها ما تخفيه الغيوب بخلاف الكلمات، فإنه قد يجري بالكلمة أو قد يعلم بالكلمة ما سيكون في المستقبل، ولذلك قال القائل:

احفظ لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق

فالمنطق والقول له أثر فيما يكون في المستقبل، ولذلك قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما سئل عن الفأل (قالوا: وما الفأل؟ قال:(( الكلمة الطيبة ) ).) وهاذا التعريف ليس تعريفًا له بالمثال، بل هو تعريف له بالحقيقة التي وقع الاستثناء فيها؛ لأن بعض العلماء جعل الفأل أوسع من هاذا فجعلوه على سبيل المثال، الفقهاء جعلوا قلب الرداء في صلاة الاستسقاء من الفأل، أي تفاؤلًا قالوا: ويقلب رداءه تفاؤلًا بتغيّر الحال من القحط إلى المطر، وهاذا تفاؤل بقول أو بفعل؟ بفعل، لكن الحقيقة أن هاذا القول ليس بصحيح، وأن التفاؤل لا يمكن أن يكون بالأفعال؛ لأننا إذا تفاءلنا بالأفعال كان ذلك هو فعل الجاهلية، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما سئل عن الفأل حصره في جميع الروايات بالكلمة وهو قول، ثم إن ذلك مترجم في سيرته -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أي مبين وموضح في سيرته وهديه، فكان إذا خرج -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحب أن يسمع: يا راشد يا نجيح، وهاذا كلام أو فعل؟ كلام، هاذا كلام وليس فعلًا، فلا يتشاءم بالأفعال، ولا يتيامن بها أيضًا، إنما يتيامن بالأقوال الموافقة كما كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

إذًا عرفنا أن قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ويعجبني الفأل ) )هاذا استثناء من قوله: (( ولا طيرة ) )وهو استثناء لصورة خاصة.

قالوا: وما الفأل؟ قال: (( الكلمة الطيبة ) )يعني: التي تنشرح لها النفس وتجد فيها حثًّا على عمل الخير وإقبالًا على المقصود والمطلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت