وبهاذا نعلم أن الفأل يخالف الطيرة من حيث الثمرة ومن حيث الصفة أيضًا؛ يعني صفة القول.
قال: (ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال:(( أحسنها الفأل ) )). أي أحسن الطيرة الفأل؛ لأن الضمير في قوله: (( أحسنها ) )يعود إلى الطيرة، وهاذا مما استدل به من يقول: إن التفاؤل نوع من الطيرة، لكنه نوع مستثنى كما ذكرنا قبل قليل.
قال: (( أحسنها الفأل ) )يعني الجائز منها والذي لا بأس به منها هو الفأل.
قال: (( ولا ترد مسلمًا ) )وهاذا بيان لحكم أردى أنواعها، لما ذكر الأحسن تكلم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بحكم ما دون ذلك، قال: (( ولا ترد مسلمًا ) )أي لا تمنعه من مقصوده وطلبه، وهاذا خبر ونهي، فإنه لا يجوز أن يرجع الإنسان عن عمله وقصده بناء على ما يتشاءم به من مسموع أو مرئي أو معلوم؛ بل الواجب أن يمضي في قصده وأن يتوكل على الله عز وجل، وأن يعلم أنه لا مانع لما أعطى -جل وعلا- ولا معطي لما منع، وأن الامتناع بمثل هاذا ليس من الأسباب الشرعية، حتى لا يلبس الشيطان فيقول: هاذا سبب شرعي، نقول: هاذا ليس سببًا شرعيًّا بل نفاه الشارع، وهو كذلك ليس سببًا حسيًّا، فكم من إنسان يجد في نفسه انقباضًا لكلمة يسمعها من شخص في حال عمل عملًا من الأعمال يظن أنها ستؤثر في تحقيق مقصوده وتحصيل غرضه، ثم يكون الأمر على خلاف ذلك: يحصل مقصوده ويبلغ غايته.